الصفحة 297 من 392

لقد عدّ القدماء الخمرة مفهوماً تمثل لديهم الحياة نفسها [1] ، ولا عجب إذا عدّها الأعشى باباً إلى الحياة والمعيشة يطرقه دون سواه وحين يحل مشيبه أو كبره يخرج من الباب نفسه ويودع الحياة نفسها لأنها مقترنة بمرحلة الشباب:

وكأسٍ شربتُ على لذّةٍ ... وأخرى تداويتُ منها بِها

لكي يعلم الناسُ أنّي امرؤ ... أتيتُ المعيشةَ من بابِها

كميْتٍ يرى دون قعر الإنى ... كمثل قذى العين يُقْذى بِها

وَ شاهدُنا الوردُ والياسميـ ... ـنُ وَ المُسمعاتُ بقُصَّابِها

وَ مزهرُنا مُعْملٌ دائمٌ ... فأيُّ الثلاثةِ أزرى بِها

ترى الصَّنْجَ يبكي له شجوَهُ ... مخافةَ أن سوف يُدعى بِها

مضى لي ثمانونَ من مولدي ... كذلكَ تفصيلُ حُسّابِها

فأصبحتُ ودّعتُ لهوَ الشَّبا ... بِ والخَنْدريسَ لأصحابِها [2]

ومن يقتحم هذا الباب ينعم بالحياة لأنه ينسى الموت وهوله في أكناف اللهو السابغ والعبث الدائب، بل هو لا يخاف الموت إذا ظفر بالمتع على نحو ما صرح بذلك عبيد بن عبد العُزى السلامي:

وَ ما العيش إلا في ثلاثٍ هي المنى ... فمن نالها من بعد لا يتخوّفُ

صحابةُ فتيانٍ على ناعجِيَّةٍ ... مناسمها في الأمعزِ المَحْلِ ترْعُفُ [3]

وَ كأسٍ بأيدي الساقييْنِ رويةً ... يمُدان راووقيهما حينَ تُنْزَفُ [4]

(1) هو الذي رأى: 101.

(2) ديوانه: 173، الخندريس: الخمر.

(3) ناعجة: عاقة بيضاء، الأمعز: المكان الصلب الكثير الحصى.

(4) تنزف: تنفد، ويذهب خمرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت