الصفحة 298 من 392

وريةُ خِدْرٍ ينفحُ المِسكَ جيبُها ... تضوَّع ريّاها به حين تصدِفُ [1]

بيد أن هذا التهالك على اللذاذة والمتعة إذا عاد إليه صحوه، ووعيه انتصب الموت أمامه، وساوره منه الخوف كرة أخرى، قال عبيد بن الأبرص:

إنْ أشْرَبِ الخمرَ أو أُرزأْ لها ثمناً ... فلا محالةَ يوماً أنّني صاحي

وَ لا محالةَ من قبرٍ بمَحْنِيَةٍ ... وَ كَفَنٍ كسراةِ الثورِ وضّاحِ [2]

وعليه يجد الشاعر في الاستمرار على انتهاب اللذة مخرجا للضيق الذي يخالط صدره من رهبة الموت قبل حلول المقدر، قال حسان بن ثابت:

لمّا صحا وتراخَى العيشُ قلتُ له: ... إنّ الحياةَ وإنّ الموتَ مِثلان

فاشربْ من الخمرِ ما آتاك مشربُه ... وَ اعلمْ بأنْ كلّ عيشٍ صالحٍ فانِ [3]

وقال عمرو بن كلثوم:

ألا هُبّي بصحنك فَاصْبحينا ... ولا تُبقي خمورَ الأندرينا [4]

مُشعشعةً كأن الحُصَّ فيها ... إذا ما الماءُ خالطها سخينا [5]

تجور بذي اللّبانةِ عن هواه ... إذا ما ذاقها حتّى يلينا [6]

ترى اللَّحِزَ الشحيحَ إذا أُمِرَّتْ ... عليه لماله فيها مُهينا [7]

صددتِ الكأسَ عنّا أمَّ عمرٍو ... وَ كان الكأسُ مجراها اليمينا

وما شرُّ الثلاثةِ أم عمرٍو ... بصاحبك الذي لا تصبحينا

(1) قصائد جاهلية نادرة: 128، تضوع رياها: يعبق ريحها.

(2) ديوانه: 35.

(3) ديوانه: 1/ 141.

(4) الأندرين: قرية بالشام كثيرة الخمر.

(5) المشعشعة: الرقيقة من العصر أو من المزج، الحص: الزعفران، شبه به الخمر في صفرتها.

(6) تجور: تعدل، اللبانة: الحاجة.

(7) اللحز: الضيق البخيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت