وريةُ خِدْرٍ ينفحُ المِسكَ جيبُها ... تضوَّع ريّاها به حين تصدِفُ [1]
بيد أن هذا التهالك على اللذاذة والمتعة إذا عاد إليه صحوه، ووعيه انتصب الموت أمامه، وساوره منه الخوف كرة أخرى، قال عبيد بن الأبرص:
إنْ أشْرَبِ الخمرَ أو أُرزأْ لها ثمناً ... فلا محالةَ يوماً أنّني صاحي
وَ لا محالةَ من قبرٍ بمَحْنِيَةٍ ... وَ كَفَنٍ كسراةِ الثورِ وضّاحِ [2]
وعليه يجد الشاعر في الاستمرار على انتهاب اللذة مخرجا للضيق الذي يخالط صدره من رهبة الموت قبل حلول المقدر، قال حسان بن ثابت:
لمّا صحا وتراخَى العيشُ قلتُ له: ... إنّ الحياةَ وإنّ الموتَ مِثلان
فاشربْ من الخمرِ ما آتاك مشربُه ... وَ اعلمْ بأنْ كلّ عيشٍ صالحٍ فانِ [3]
وقال عمرو بن كلثوم:
ألا هُبّي بصحنك فَاصْبحينا ... ولا تُبقي خمورَ الأندرينا [4]
مُشعشعةً كأن الحُصَّ فيها ... إذا ما الماءُ خالطها سخينا [5]
تجور بذي اللّبانةِ عن هواه ... إذا ما ذاقها حتّى يلينا [6]
ترى اللَّحِزَ الشحيحَ إذا أُمِرَّتْ ... عليه لماله فيها مُهينا [7]
صددتِ الكأسَ عنّا أمَّ عمرٍو ... وَ كان الكأسُ مجراها اليمينا
وما شرُّ الثلاثةِ أم عمرٍو ... بصاحبك الذي لا تصبحينا
(1) قصائد جاهلية نادرة: 128، تضوع رياها: يعبق ريحها.
(2) ديوانه: 35.
(3) ديوانه: 1/ 141.
(4) الأندرين: قرية بالشام كثيرة الخمر.
(5) المشعشعة: الرقيقة من العصر أو من المزج، الحص: الزعفران، شبه به الخمر في صفرتها.
(6) تجور: تعدل، اللبانة: الحاجة.
(7) اللحز: الضيق البخيل.