وأنَّا سوف تُدركنا المنايا ... مُقَدَّرةً لنا وَ مقدَّرينا [1]
وواضح أن الشاعر قد انتقل على حين غرة ـ وهو يتحدث عن المحبوبة والعبث ـ إلى الحديث عن الموت والفناء، حتى بدا الحديث وكأنه مقطوع الصلة بسابقه وليس الأمر كذلك لدى التحقيق، فالصلة قائمة فيه، لكنها كامنة في النفس الخائفة اللائذة بالخمر خوفاً من الموت الذي يعدو إليه.
إن الصحو يقلق الشاعر ويخيفه لأنه يريه حقيقة الموت ويذكره به لاسيما في كبره وهو لهذا يتحسر على أيام الشبيبة التي امضاها في معاقرة الخمر ومعاشرة الغانيات، تلك السويعات الناعمة المترفة التي تحرر فيها من فكرة الموت الرهيب الذي يطارده في كل آن ومكان، قال الأعشى:
لعَمُرك ما طولُ هذا الزمنْ ... على المرءِ إلاّ عناءٌ مُعَنْ
يظلُّ رجيماً لريبِ المنونِ ... وَ للسُّقْمِ في أهله والحَزَنْ
وَ هالكِ أهلٍ يُجنُّونَه ... كآخرَ في قفرةٍ لم يُجَنْ
وما إنْ أرى الدّهر في صرفه ... يغادِرُ من شارخٍ أو يفنْ [2]
فهل يَمْنَعنِّي ارتيادي البلا ... دَ من حذر الموت أن يأتِيَنْ
أليس أخو الموت مستوثقاً ... عليّ وإن قلتُ: قد أنسأَنْ [3]
عليّ رقيبٌ له حافظٌ ... فقل في امرىءٍ غَلِقٍ مرتهَنْ
فقد أشربُ الراحَ قد تعلميـ ... ـنَ يوم المُقامِ وَ يومَ الظَّعَنْ
وأشربُ بالريفِ حتى يُقا ... لَ قد طال بالريف ما قد دَجَنْ [4]
(1) شرح القصائد العشر: 380 - 384.
(2) الشارخ: الشاب، يفن: الشيخ ..
(3) انسأن: أخره وأجله.
(4) ديوانه: 15 - 17.