الصفحة 300 من 392

وفي ضوء هذا الاعتقاد الراسخ لا يدع الشاعر فرصة تمر إلاّ يمضيها بضروب من اللذة وألوان من اللهو، وأي توان في ذلك يعده هزيمة له أمام الموت، وانتصارا للموت عليه، قال النمر بن تولب:

أعاذلُ: إن يُصبحْ صداي بقفرةٍ ... بعيداً نآني صاحبي وَ قريبي

ترى أنّ ما أبقيتُ لم أكُ ربَّهُ ... وأن الذي أمضيتُ كان نصيبي [1]

إن امتلاء حياة الشاعر بالمتع، واشباع الرغائب يهوّن عليه همومه تجاه الموت بل لا يهمه أمر الموت إذا قضى حاجاته، ونال أوطاره، قال السمؤال:

فإنْ أهْلِكْ فقد أبليتُ عُذراً ... وقضَّيْتُ اللُّبَانَةَ واشْتفيتُ [2]

فلا خوف من الموت لأنه يأتي على جسد فرغ من اقتناص حاجاته، وشبع من متع الحياة وأسبابها، حتى لم تعد لديه بقية غير مقضية يخاف عليها من موت يتربص به، قال قيس بن الخطيم:

متى يأتِ هذا الموتُ لا تبقَ حاجةٌ ... لنفسيَ إِلاَّ قد قَضيتُ قضاءَها [3]

التحدي:

وإذا كان الشعراء الفتيان قد انصرفوا إلى العبث والمجون تحت تأثير الخوف من الموت فإن الشعراء الفرسان وقفوا تحت ضغط الإحساس نفسه موقف التحدي منه، والتصدى له ففروا منه إليه مدركين أن الموت ساع إليهم حتى إذا لم يسعوا إليه، قال عنترة:

بكرت تخوِّفني الحتوفَ كأنّني ... أصبحتُ عن غرضِ الحُتوفِ بمعْزل

فأجبتُها: إنّ المنيةَ مَنهَلٌ ... لا بُدَّ أنْ أُسْقَى بكأسِ المنهل

فاقْنَيْ حياءكِ، لا أبالكِ، واعلمي ... أنّي امرؤٌ سأموتُ إنْ لم أُقتلِ [4]

(1) شعره: 39 - 40.

(2) ديوانه: 33.

(3) ديوانه: 49.

(4) ديوانه: 251 - 252.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت