الصفحة 301 من 392

بهذا القول المفعم بالتحدي يرد عنترة على عاذلته التي لامته على اقتحامه الحروب وتعريض نفسه للأخطار، بل إنه ليعد الاستجابة لصوت العاذلة ضربا من اللؤم الذي يأباه الكريم:

تُعَنِّفُنِي زبيدةُ في الملامِ ... على الإقدام في يوم الزِّحامِ ... ےے ltrch33

تخافُ عليَّ أنْ ألقى حِمامي ... بطعنِ الرمحِ أو ضربِ الحسام

مقالٌ ليس يقبلُهُ كرامٌ ... ولا يرضى به غيرُ اللئامِ [1]

ويسوغ عنترة لهذا التحدي بأن الموت يترصده في ساحة الحرب وخارجها، وما دام الأمر كذلك فلا موجب للخوف من الموت ولا خيار له سوى الثبات والصبر على المجالدة، ونبذ التفيكر في الفرار الذي لا ينجيه من قبضته:

وَ عرفتُ أنّ منيتي إنْ تأتنِي ... لا يُنجِنِي منها الفرار الأسرعُ

فصبرتُ عارفةً لذلك حرَّةً ... ترسو إذا نفس الجبان تطلَّعُ [2]

إن يقين الفرسان الثابت بحتمية الفناء حفزهم لملاقاة الموت ودفعهم إلى تحديه والجرأة عليه، وعمّق فيهم القناعة بأن الخوف منه لا مسوغ له، ولا غناء فيه، قال سلامة بن جندل:

تقول ابنتي: إنّ انطلاقك واحداً ... إلى الرَّوعِ يوماً، تاركي لا أباليا

دعينا من الإشفاقِ أو قدِّمي لنا ... من الحَدَثان والمنيَّةِ واقيا [3]

فقد منحتهم هذه الفكرة الملحة المقدرة على الاستهانة بالموت لصنع الحياة، قال دريد بن الصمة:

فطاعنتُ عنه الخيلَ حتى تنهْنهتْ ... وَ حتى علاني حالكُ اللّون أسودُ

فما رُمتُ حتى حرَّفَتْني رماحهم ... وَ غودِرتُ أكبو في القنا المُتقصِّد

قتالَ امْرىءٍ آسى أخاه بنفسه ... ويعلمُ أنّ المرءَ غيرُ مخلَّدِ [4]

(1) نفسه:162.

(2) نفسه: 264.

(3) ديوانه: 200.

(4) ديوانه: 48 - 49.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت