الصفحة 302 من 392

وإذا كان الجبان المذعور يلوذ بالفرار نشداناً للنجاة من هول الموت، فإن الفارس البطل يلاقي الأقران برباطة جأش، وصبر عنيد ليظفر بالخلاص من خلالهما، قال الحصين بن الحمام المري:

إذا الموتُ كان شجاً بالحلوقِ ... وبادرتِ النفسُ أشغالَها

صبرتُ ولم أكُ رِعديدةً ... وللصبرُ في الرَّوع أنجى لَها [1]

إن الفارس حين يلاقي قرنه في الحرب لا يحسب أنه يقابل فارسا في شخصه، إنما هو في حضرة الموت نفسه، هزيمته هزيمة أمام الموت، وتمكنه منه سحق للموت المتربص به، وطالب الحياة لا يتخاذل عن الإستجابة لنداء الفارس الخصم (الموت) إذا دعاه إلى المنازلة، قال عنترة:

وكم داعٍ دعا في الحربِ باسمي ... وناداني فَخُضتُ حشا المُنادي [2]

والحصين بن الحمام المرى حدثته نفسه بالإحجام عن القتال وكاد يطاوعها ويكل إليها أمره رهبة من الموت ولقائه، وطلبا للحياة، لكن يقينه بحتمية الموت أعانه على تجاوزه وجّرأه على مواجهة الموقف المفزع وتحديه، فإقدامه على الموت ـ هنا ـ معادل لانتصار الحياة على الموت:

فلستُ بِمبتاعِ الحياة بسُبَّةٍ ... ولا مبتغٍ من رهبةِ الموتِ سُلَّما

تأخَّرْتُ أستبقي الحياةَ فلم أجِدْ ... لنفسي حياةً مثل أنْ أتَقدَّما [3]

وقد بلغ عنترة في تحديه الموت مبلغاً حدا به إلى تبديل المواقع بينه وبين الموت، فتحول من خائف من الموت إلى موت مخيف يفزع الآخرين، فهو الموت نفسه، أو الموت مجسداً في صورة عنترة عند المبارزة، قائلاً:

ألقى صدورَ الخيلِ وَ هي عوابسٌ ... وأنا ضحوكٌ نحوها وبشوشُ

إنّي أنا ليث العرينِ، ومن له ... قلبُ الجبان محيَّرٌ مدهوشُ

إنّي لأعجبُ كيف ينظر صورتي ... يوم القتال مبارزٌ وَ يعيشُ [4]

(1) شعره: 110، وينظر: ديوان النابغة: ق 17 ب 3/ 104، وديوان الحماسة: ق 128 ب 1 - 2/ 115.

(2) شرح ديوانه: 51.

(3) شعره: 114.

(4) شرح ديوانه: 95، وينظر له: ديوانه: ق 6 ب 20/ 52.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت