الصفحة 303 من 392

ولا ينبغي أن يحمل صنيع عنترة وأنداده محمل التهور والطيش، فهم لا يخرجون لملاقاة الموت بغير خوف، بيد أنهم لا يرضخون لتلك المخاوف، وليس أدل على ذلك من جواب عنترة إذ قيل له: أنت أشجع العرب وأشدها؟ قال: لا. قيل: فبماذا شاع لك هذا في الناس؟ قال: كنت أقدم إذا رأيت الإقدام عزماً، وأحجم إذا رأيت الإحجام حزماً، ولا أدخل إلا موضعاً أرى لي منه مخرجاً، وكنت اعتمد الضعيف الجبان فأضربه الضربة الهائلة يطير لها قلب الشجاع فأثني عليه فأقتله [1] ، فمقالة عنترة توحي بأنه خائف من البطل الشجاع (الموت) ومن أجل ذلك يواجه الضعيف الجبان الذي لا يخيف ويتخد مقتله وسيلة لإخافة القوي المرهوب، وعمله هذا بمثابة شن هجوم مبرمج على نفسية وعقل الفرد والجماعة لغرض إحداث التفكك والوهن والإرتباك فيهما وجعلها فريسة المخططات، وأهداف الجهة صاحبة العلاقة مما يمهد للسيطرة عليها وتوجيهها إلى الوجهة المقصودة [2] ، فشجاعته متعقلة لا إفراط فيها ولا تفريط، وهذه شجاعة منحازة إلى الفضيلة الواقعة بين أكناف رذيلتين [3] .

وخلاصة الحال أن الفرسان كالفتيان يترهبون الموت، والطائفتان معا إزاء هول معضلة واحدة، وينتابهم إحساس واحد هو الشعور برهبة الموت، وهم على الرغم من اتفاقهم في هذا الإحساس يفترقون في طبيعة المواقف التي يحسون بجدواها في كومة صراعهم مع الموت الذي يفزعهم، فأولئك يجدون حلمهم في انتهاب اللذة (الخمر والمرأة) ، و هؤلاء يجدونه في الوقوف بوجه الموت نفسه وتحديه، فالدافع واحد وسبل المواجهة على وجوه.

المغامرة:

(1) الأغاني: 8/ 241 - 242.

(2) الحرب النفسية: 3.

(3) علم الأخلاق إلى نيقولا ماخوس: 1/ 243.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت