وقد يغشى الخائف المهالك ويلقي بنفسه في الغمرات أملاً في وضع حد لخشيته من أمر ما، وقد لجأ الشعراء الصعاليك إلى هذا الأسلوب لمعالجة فقرهم وعوزهم فجعلوا أموال الأغنياء والمترفين بغيتهم يشدون إليها الرحال ويركبون لنيلها الأخطار، قال عروة:
لعلَّ انْطِلاقي في البلادِ وبُغْيَتي ... وشَدِّي حيازيمَ المطيةِ بالرَّحْل
سيدفعني يوماً إلى ربِّ هُجْمةٍ ... يدافعُ عنها بالعقوقِ وبالبخلِ [1]
ويكثر الصعاليك من ذكر المتاعب التي يتعرضون لها، والأهوال التي يتحدونها بلوغاً إلى هدفهم المنشود، قال عروة:
وغبراءَ مَخْشِيٍّ رداها مَخوْفةٍ ... أخوها بأسباب المنايا مغرَّرُ
قطعتُ بها شكَّ الخِلاجِ، ولم أقل ... لخيّابةٍ، هيّابةٍ: كيف تأمرُ [2]
وهم شديدو الاعتداد بقوتهم البدنية والنفسية في تحمل الأهوال والتغلب عليها، قال السليك:
ألا عتبتْ عليَّ فصارمتْني ... وَ أعجبها ذوو اللِّممِ الطِّوال
فإنّي يا ابنة الأقوام أربي ... على فعل الوضيِّ من الرجال
فلا تصلي بصعلوكٍ نؤومٍ ... إذا أمسى يُعدُّ من العيال
إذا أضحى تفقَّدَ منكبيه ... وأبصر لحمَهُ حذرَ الهُزال
وَ لكنْ كلُّ صعلوك ضروبٍ ... بنصلِ السيف هاماتِ الرجالِ [3]
لقد استقر في وعي الصعاليك أن الموت حتم، وفي ضوء ذلك عدوا الخروج إلى الغارة، والمكث مع العيال مثلين في عرف الموت، وما دام الأمر كذلك فلم لا يخرجون إلى غارة تدر عليهم مالا، وتمنحهم مقاما اجتماعيا، وهيبة، قال عروة:
قلتُ لقوم في الكنيف: تروحوا ... عشيةَ بِتْنا عند ماوانَ رُزَّحِ [4]
(1) ديوانه: 115 - 116، الهجمة: الإبل ما بين الخمسين إلى الستين.
(2) نفسه: 77 - 78.
(3) السليك بن السلكة أخباره وشعره: 61 - 62.
(4) ماوان: واد فيه ماء فيما بين النقرة والربدة، فغلب عليه الماء فسمي ذك الماء ماوان، رزح: قد سقطوا من الإعياء، الكنيف: الحظيرة والمأوى.