الصفحة 315 من 392

فقد عُدّ تكرار عين هذا البناء دليلاً على تكرير الفعل، فقالوا: كسّر، وقطّع، وفتّح، وغلّق، وذلك أنهم لما جعلوا الألفاظ دليلة المعاني فقوة اللفظ ينبغي أن يقابل قوة الفعل، والعين أقوى من الغين واللام، وذلك لأنها واسطة لهما، ومكنوفة بهما، فصارا كأنهما سياج لها، ومبذولان للعوارض دونها [1] .

ومن صيغ المبالغة التي ميزت مشاعر الخوف، وأنبأت عن مستواه، وكثرة وقوعه صيغة"فعول"التي عبر بها الشاعر عمرو بن معد يكرب عن واقع الحرب القائمة على الكر والفر، والإقبال والإدبار، قائلاً:

وَ لقد أجمعُ رجلَيَّ بها ... حَذَرَ الموتِ وإني لفَرورُ [2]

بيد أن صيغة (فعّالة) لا تقل مبالغة عن الصيغتين السابقتين في الإيحاء بالمشاعر التي تغور في أعماق الخائفين كثرة وحدة، كلفظة (هيّابة) [3] .

ولصيغة التفصيل في شعر الخوف حضور واضح في بيان مشاعر الخائفين حينما تراد منها الزيادة والمبالغة فيها كما في لفظة (أخوف) في قول عروة بن الورد وهو يذكر زوجته الخائفة عليه من الغارة، ويرى أن الغارة تهون عليه إذا ما قيست بمخاوف الفقر الذي يدفعه إلى اقتحام أهوال الغارة بحثاً عن الطمأنينة المفقودة

أرى أمَّ حسانَ الغداةَ تلومُنِي ... تخوّفني الأعداءَ، والنفسُ أخوفُ [4]

ويعمد أوس بن غلفاء إلى إسمين للتفضيل وهاجسه في ذلك تشخيص مظهرين معيبين من مظاهر الخوف في مهجوه (يزيد بن الصعق) وهما السلح والهزيمة، قائلاً:

وهُم تركوك أسلحَ مِنْ حبُارى ... رأى صقراً وأشردَ من نعامِ [5]

(1) الخصائص: 2/ 157، ومن أسرار اللغة: 148.

(2) ديوانه: 102، وينظر: ديوان عروة بن الورد: 95، والحارث بن ظالم المري الوافي الفاتك: ق 4 ب 2/ 377.

(3) ينظر: ديوان عروة بن الورد: 78.

(4) ديوانه: 107.

(5) المفضليات: 228، وينظر: ديوان الهذليين: 2/ 53.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت