ويرد في لغة الخوف نمط من الإستعمال يقوم على استخدام أكثر من لفظة لتثبيت معنى من المعاني والمبالغة في أمره، والشاعر حينما يعمد إلى ذلك كأنما لا يطمئن إلى القائه المعنى أول مرة فيدعمه بألفاظ أخرى، ومن أمثلة ذلك الجمع بين لفظتي (مخوف، مرهوب) في قول عبيد بن الأبرص:
وخرقٍ تصيحُ الهامُ فيه مع الصدى ... مخوفٍ إذا ما جنَّه الليلُ مرهوب
قطعتُ بصهباءِ السَّراةِ شِملَّةٍ ... تزلُّ الولايا عن جوانبِ مكروبِ [1]
ونظير ذلك الجمع بين (روعة، ووهل) [2] ، وبين (نكس، وورع) [3] ، وبين (تولوا، واستنفروا، وهربا) [4] .
ولا شك في أن هذا الضرب من الاستعمال قد يعطي قارئه دلالة على ثراء الشاعر لغوياً، وتمرسه في المفردات، فضلاً عن أن إعادة المعنى ترسخ في ذهن المتلقي صورة مرة فتكون بدلالتها المشخصة مرتين أو أكثر ألصق بالنفس وأدعى إلى الالتفات بالإعادة، بيد أن الأمر قد يبلغ مبلغ التفسير والشرح فتفقد العبارة بذلك تركيزها وتستحيل معه ضرباً من الحشو الذي لا ينضج فناً، والترهل الذي يثقل الأداء ويسيء إليه، كما يتبين ذلك في قول طرفة مفسراً (الهبيت) بمن لا فؤاد له:
فالهبيتُ لا فؤادَ له ... والثَّبيتُ ثبْتُهُ فَهَمُهْ [5]
وقد حفل شعر الخوف بتراكيب نهضت بتشخيص الدلالة وتأكيدها وكان للشعراء في ذلك طرائق متعددة، وسبل مختلفة منها إيراد الحال المسوق لبيان الهيئة، فعامر بن الطفيل الذي نعت أعداءه بالفرار لم يكتف بلفظة (نجوا) التي تدل على الإفلات من قبضة الخطر، بيد أنه عمد إلى إبراز الحال الذي كانوا عليه وقت الفرار فاستقام له ذلك بـ (شِلالاً) التي تعني (متفرقين) فأظهر بذلك شدة خوفهم الذي قادهم إلى الفرار على غير هدى غير مبالين بغيرهم، قائلاً:
(1) ديوانه: 26.
(2) ينظر: ديوان الأعشى: ق 52 ب 40/ 52.
(3) ينظر: ديوان لقيط بن يعمر الإيادي: ب 51/ 49.
(4) ينظر: ديوان قيس بن الخطيم: ق 14 ب 21/ 177.
(5) ديوانه: 154.