وينبثق أسلوب الاستفهام في استعمال المتلمس من إحساسات الرهبة التي اقترنت بعلاقات النعمان الجائرة معه، ولهذا يطرح استفهامه المتسم بالإنكار والمتضمن التوبيخ لطرفة ليجنبه بسؤاله المشحون بالخوف والإخافة أرض النعمان التي سادها بغيه، قائلاً:
ثكلتْك، يا ابن العبد، أمُّك سادراً ... أَبِساحةِ الملكِ الهُمام تمرّسُ؟ [1]
ولم يجد نابغة بني ذبيان الذي عيب من قومه على خشيته من عمرو بن الحارث مناصاً من الرد على معيّريه مدافعاً عن نفسه ومعظماً شأن الملك لائذاً بأسلوب الاستفهام لإقرار الخوف وتسويغه معرباً عن رضوخه للملك ومنكراً على بني ذبيان زعمهم في عدّ خوفه سبة أو عاراً:
وَعيّرتْني بنو ذبيانَ خشيتَهُ ... وهلْ عليَّ بأنْ أخشاك من عارِ [2]
أما عروة بن الورد فهو مالك زمام نفسه، وواثق من مضاء عزيمته لا يضطرب ولا يقلق إذا قطع الصحراء المضلة لفرط احتماله الأهوال وطول صبره على الشدائد، وهو بخصاله تلك يعلو على الجبان المتردد المسلوب الإرادة الذي تلفه الحيرة ويسكنه الذهول فيأبى عليه الإهتداء إلى السبيل الواضحة، وقد جسّد الشاعر تردد الجبان ورعبه بقوله: كيف تأمر؟ التي أوحت بواقع الجبان النفسي وفزعه المستكن، وحيرته الطاغية التي تسلب منه الإرادة فيتعذر عليه معها إتخاذ القرار الحاسم في الموقف المتأزم:
وغبراءَ مخشيٍّ رداها مخوفةٍ ... أخوها بأسباب المنايا مغرَّرُ
قطعتُ بها شَكَّ الخِلاج، ولم أقلْ ... لخيّابةٍ، هيّابةٍ: كيف تأمرُ؟ [3]
وإن تلبية الداعي ـ إذا ما دعا ـ دونما تحري المدعو عن موجبات الدعوة، وعن الوجهة التي إليها يقصد، يعده الطفيل الغنوي ضرباً من الجرأة والإقدام اللذين دأب عليهما أبناء قبيلته، أما الخائف المذعور فإنه يستفهم عن كل مهمة ويتثبت من كل شيء مدفوعاً بنزعة حب الحياة وإيثار السلامة، اللذين طفح بهما (أين يركب؟) في قوله:
(1) ديوان شعره: 192.
(2) ديوانه: 78، وينظر: المفضليات: ق 32 ب 9/ 166.
(3) ديوانه: 77 - 78.