الصفحة 319 من 392

وفرْنا لأقوام بنِيهِمْ ومالَهم ... وَ لولا القيادُ المستتبُّ لأغربوا

بحيٍّ إذا قيل اركبوا لم يقلْ لهم ... عواويرُ يخشون الردى أين يركب؟ [1]

وشبيه هذا قول النابغة الجعدي:

وخرقٍ مروراةٍ يحار بها القَطَا ... تَردّدَ فيه همُّه، أين يذهبُ؟ [2]

ويأتي أسلوب الطلب في شعر الخوف بصيغة الأمر كلما أراد الشاعرالتخويف أو لفت الأنظار إلى أخطار تجر المرء إلى أعباء مهولة، وتقوده إلى عواقب وخيمة فقد حذر عنترة العبسي بصيغة الأمر مخاطبه من ارتياد المحل الموبوء بالسوء وحثه على السعي في طلب المقام البديل الذي يوفر عليه كرامته ويصونها من الدنس، قائلاً:

إِحْذَرْ محلَّ السوءِ لا تحللْ به ... وإذا نبا بك منزلٌ فَتحوّلِ [3]

وإذ دعا لقيط الإيادي أبناء قبيلته إلى اتخاذ الحيطة اللازمة وبث العيون لرصد المسلك العدواني لكسرى وجيشه، وجد في الأمر الصيغة الملائمة لمتقضى الحال لما فيها من قطع والزام لا يقبلان الجدل في ظرف بالغ الدقة والخطر، يقول:

اذكوا العيونَ وراءَ السَّرحِ واحترسوا ... حتى تُرى الخيلُ من تعدائها رُجُعا [4]

فقد أحسن الشاعر اختيار الفعلين (أذكوا، احترسوا) لما يحملانه من دلالة على الخوف الذي يساوره إزاء الخطر المحدق الذي يحذر قومه من مغبة التواني في التصدي له والرد عليه، ولو اختار فعلاً آخر مثل (انتبهوا، راقبوا) لفقد ذلك الإستعمال كثيراً من ظلاله الموحية بواقع الشاعر النفسي وبالتالي في استجابة النفس المتلقية لتخوفيه وتحذيره.

(1) ديوانه: 42، عواوير: جمع عوار، وهو الضعيف الجبان.

(2) ديوانه: 5.

(3) ديوانه:338، وينظر: ديوان طرفة بن العبد: ق 39 ب 614/ 206.

(4) ديوانه: 43، وينظر: ديوان النابغة الذبياني: ق 14 ب 2/ 98. رجعا: جمع رجيع، وهو الضامر الذي ذهب لحمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت