الصفحة 320 من 392

ويلجأ الشاعر إلى النهي حينما يحاول تجنيب مخاطبه مصدر الخوف وتحذيره منه، فالمحاذير التي تحف بصحبة الملوك باتت تقلق ابن قردودة وتحمله على نهي ابن عمار عن منادمة الملك النعمان أو الاطمئنان إلى عشرته جاعلاً (لا الناهية) حائلاً بينه وبين نار الملك التي ستصيبه بلظاها، قائلاً:

إنّي نَهيتُ ابنَ عمّارٍ وقلتُ له ... لا تأمنَنْ أحمرَ العينين والشَّعَرَهْ

إِنَّ الملوك متى تنزلْ بساحتهم ... تطِرْ بنارِك من نيرانهم شَرَرَهْ [1]

وقد وجد أبو ذؤيب الهذلي في تفادي إثارة كوامن الشر سبيلاً مجدية لتحاشي مخاوف مفزعة متخذاً تكرار (لا الناهية) ثلاث مرات وسيلة لمنع ما يخشى وقوعه ويرهب مضاره:

فلا تُتْبِعِ الأفعى يديك تَنُوشُها ... ودعْها إذا ما غيَّبتها سفاتُها

وأطفئْ ولا تُوقدْ ولا تكُ مِحْضأً ... لنار العُداةِ أن تطير شكاتها [2]

ويؤثر المتلمس الضبعي المنية على الحياة الذليلة خشية العار ويلجأ إلى أسلوب النهي عن قبول الظلم والرضوخ للضيم، فهو لا يجد مسوغاً للخشية من الموت في ظل الحياة الذميمة، والهوان المقيت:

فلا تقبلنْ ضيماً مخافةَ ميتةٍ ... وَ مُوتَنْ بها حُراً وجلدُك أمْلَسُ [3]

أما التحضيض فقد توفر عليه لقيط بن يعمر ليحث قومه على مواجهة الخطب الفادح الذي يعزم عليه كسرى ويروم إنزاله بجيش جرار يعدل الجراد كثرة وسرعة وانتشاراً، وعلى الرغم من أن تحضيضه ينضح تخويفاً وتحذيراً بيد أنه يقصد به شحذ الهمم والتحفز الجاد لمقارعة المحن وتحدي نوازع العدوان، ولم يكن يقصد به تثبيط العزائم أو السقوط تحت طائلة الإحباط:

ألا تخافون قوماً ـ لا أبا لكمُ ـ ... أمْسَوا إليكُمْ كأمثال الدَّبا سُرُعا [4]

ومن الأساليب التي جسدت الخوف وعبّرت عن معناه أسلوب النداء الذي يعد من أبلغ الأساليب، وأصردها سهماً في الكشف عن صفحة النفس كلما ساورها الخوف وتسرب إليها الفزع،

(1) شعر بكر بن وائل قبل الإسلام: 602.

(2) ديوان الهذليين: 1/ 163، وينظر: ديوان الأعشى: ق10 ب22/ 85.

(3) ديوانه: 111، وينظر: ديوان لقيط بن يعمر الإيادي: ب 25/ 41.

(4) ديوانه: 34.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت