فاضطراب النفس أو هياجها كثيرا ما يصل إلى مدى لا يحول دون ظهوره إخفاء أو تكتم فيفصح عن صورة التأزم الداخلي بهذا النداء الذي يقصد به طلب الإعانة على مكروه، أوالخلاص من ورطة، بيد أنه مثلما ينبىء عن الخوف والقلق ينبىء عن الأمل والرجاء في أن تزول غمّة، أو يفرج كرب، فقد جنح لقيط الإيادي إلى هذا الأسلوب في إثر ما استشعره من كمد وخوف بسبب الفرقة السائدة بين أبناء القبيلة، وهي حالة جالبة للمذلة والهوان، لذا استعان بـ (يا النداء) التي تحظى بأرفع مراتب الوضوح السمعي لينبههم على تردي أوضاعهم، ويوقظهم من غفلتهم، وقد قرن خوفه بالأمل في الصرخات الثلاث التي أطلقها في وجوه أبناء قبيلته الذين يتربص بهم كسرى الشر، وينتهز الفرصة السانحة للايقاع بهم، فهناك ثلاثة مخاوف اقتضت ثلاثة نداءات تلفت أنظار قومه إلى ضرورة التماسك والتأهب والحيطة والحذر، نداء يخصّ مجدهم المؤثل والواجب الملقى على عاتقهم في الحفاظ عليه والدفاع عنه، ونداء ثان قوامه الخوف على الشرف والحريم، ونداء آخر مبعثه الخوف على سيادة القبيلة من الانتهاك والتصدع وما يلحقها من جراء ذلك من ذل وعسف، نداءات ثلاثة ترينا الشاعر وكأنه واقف على نشز من الأرص محذراً من الهول المروع، قائلاً:
يا قوم: إنّ لكم من عزِّ أوّلكم ... إرثاً، قَدَ اشْفقتُ أن يودي فينقطعا
وما يَردُّ عليكم عزُّ أولكم ... إنْ ضاع آخرُه، أو ذلَّ فاتَّضعا
يا قوم: بيضَتكم لا تفجعنَّ بها ... إنّي أخافُ عليها الأزلمَ الجَذَعا
يا قوم: لا تأمنوا إنْ كنتمُ غُيُراً ... على نسائكُمُ كِسرَى وما جمعا [1]
وفي أسلوب التوكيد تأتي (إن) المكسورة الهمزة لتؤكد الإرتجاج النفسي الذي انتاب بشر بن أبي خازم، وهو واقع تحت رحمة أوس بن حارثة الذي جسّد له الشاعر بـ (إن) المكررة المعادة عمق الماهيات المعنوية الماثلة في داخله في اللحظة المفرقة بين طمع في مالٍ، ورهبة من انتقام، وإعراب عن توبة، واعتذار عن إساءة [2] .
(1) ديوانه: 45 - 46، وينظر: ديوان النابغة: ق 9 ب 2/ 75، وق 67 ب 5 - 6/ 206.
(2) ينظر: ديوانه: ق 9 ب 1 - 4/ 41 - 42.