الصفحة 322 من 392

أما التوكيد المؤدى بإيراد الفعل متلوّاً بمصدره فكثير في شعر الخوف، ومن شواهد هذا الاستخدام قول الحارث بن وعلة الذي يصف فراره ونجاته بنفسه قائلاً:

نجوتُ نجاءً لم يَرَ الناسُ مثله ... كأنّي عُقابٌ عند تيمنَ كاسرُ

خداريّة سفعاء لبَّدَ ريشَها ... من الطّلِّ يومٌ ذو أهاضيبَ ماطرُ [1]

وللقسم في شعر الخوف مزيته وغناه ـ لا سيما الإعتذاري منه ـ فحينما يتأرجح أمر ما بين شك يساورالمتلقي وحقيقة غائبة عنه، يعقد الشاعر الأمل على القسم لتبديد ذلك الشك، والانتصار للحقيقة الغائبة الباعثة على الطمأنينة، وهدوء النفس فالاعتذار المقرون بالقسم الذي رفعه طرفة إلى الملك عمرو بن هند ـ حين بلغه أنه هجاه ـ نابع من واقعه النفسي المذعور الذي لا سبيل إلى التحرر من إساره إلا باستلال الشك المستقر في نفس الملك الغاضب عليه، ومتى ما تيسر له ذلك هدأت وساوسه، وأمن العاقبة، ونجا من العقوبة وإلاّ فلماذا هذا القسم المكرر مرتين في البيت الأول، فضلاً عن القسم المحذوف في البيت الثاني الذي دلت عليه اللام الواقعة في جوابه والمتصلة بـ (قد) في قوله:

إني وجدِّك ما هجوتُك والـ ... أنصابِ يسفَحُ بينهنَّ دمُ

ولقد هممتُ بذاك، إذ حُيِسَتْ ... وَ أُمِرُّ دون عبيدة الوذمُ

أخشى عقابك، إن قدرتَ، ولم ... أغدِرْ فيوثرَ بيننا الكلمُ [2]

ويعتمد النابغة الذبياني على القسم في تفنيد الأقاويل الملفقة، والظنون الحائمة حوله التي أثارت مخاوفه، وأقلقت خاطره، وهو إذ يفعل ذلك يؤكد جانب الصدق في دفاعه عن نفسه أملاً في محو آثار الوشاية لدى الملك، وسعياً وراء نيل البراءة والرضا منه ليكشف بهذا التدرج غمته ويطهر نفسه من فزعها:

لعمري، وما عُمري عليَّ بهيِّنٍ ... لقد نطقتْ بُطلاً عليَّ الأقارعُ

(1) المفضليات: 165، وينظر: ديوان النابغة الذبياني: ق 21 ب 5/ 112.

(2) ديوانه: 147 - 148.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت