وقد ودّ الشاعر ذو الإرادة العاجزة أمام الزمن القاهر له لو لم يكن إنسانًا مستهدفًا من الدهر، بل تمنى لو كان حجرًا تنبو عنه صروفه، وتصدف عنه كوارثه، بيد أن ابن مقبل يرى أن تلك الأمنية عصية التحقيق، وسيظل الإنسان مستاء من الدهر وكوارثه، قائلا:
إن ينقصِ الدهرُ مني فالفتى غرضٌ ... للدهرِ من عُودهِ وافٍ و مثلومُ
وإنْ يكن ذاك مقدارًا أصبتُ به ... فسيرة الدَّهرِ تعويجٌ وتقويمُ
ما أطيبَ العيشَ لو أنّ الفتى حجرٌ ... تنبو الحوادثُ عنه وهو ملمومُ [1]
لقد سدّ الدهر في وجهه كل السبل، فلم يبق في حوزته سوى أن يتصاغر له، ويجأر بالشكوى منه، ويسأله الرفق به، قال عمرو بن قميئة:
وبان الأحبةُ حتى فنوا ... ولم يتركِ الدهرُ منهم عميدا
فيا دهرُ: قدْك فأَسْجِحْ بنا ... فلسنا بصخرٍ ولسنا حديدا [2]
وصدى الشكوك يأتي أكثر رنينًا إذا ساء الزمان بعد النعمة واللين، ولهذا قرن طرفة شكواه المرة منه بذمه ذمًا صريحًا، قائلًا:
يا حقبةَ السَّوءِ بنا أسجحَنْ ... قد كنتِ عن هضبتنا نازحهْ [3]
(1) ديوانه: 272.
(2) ديوانه: 78.
(3) ديوانه: 25، وينظر: ديوان الأعشى: ق 32 ب 38/ 213.