الصفحة 50 من 392

وقد أصبح ذم الزمان مألوفًا لدى الشعراء وهم يذمونه ويكيلون الشتائم له لأنه ينشر الفقر بينهم وينزل الفراق بهم ويصنع الموت لهم، وقد نهى الرسول الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن سبه بقوله: (( لا تسبوا الدهر فإن اللهَ هو الدهر ) ) [1] ، ويُعزى النهي عن سبه إلى أنّ ما يأتي من الدهر يأتي بإرادة الله تعالى وبفعل منه، ومن هنا لا يجوز سبه لانصرافه إلى جهة الإرادة والفعل، وربما كان رسوخ الفكرة في الأذهان سببًا في تعذر محوها من أذهان المسلمين، وقد كان ذلك أيضًا مدعاة لجعلهم الدهر اسمًا من أسماء الله دونما تعارض بين التسميتين لاختصاصهما بصفة الأبدية [2] ، مع الأخذ بالحسبان اختلاف الرؤى ـ حوله ـ في كلا العصرين، فإيمان الشاعر قبل الإسلام بالدهر أسلمه إلى اليأس والقنوط، في حين بنى المسلم إيمانه بقضاء الله على أساس راسخ متين يحفزه إلى السعي ويحبب إليه العمل [3] .

لقد بدا من خلال الشواهد الشعرية المتقدمة التي أرست بناء هذا المحور من البحث أن الشاعر العربي في عصر ما قبل الإسلام كان يؤمن إيمانًا مطلقًا بالدهر وعدّه القوة المهيمنة التي بإرادتها وحدها يحدث كل ما يشهده الكون من أحداث، من فاقة وجدب ومرض، فضلًا عن فجيعة الهلاك، وقد ألفى نفسه إلى جوار تلك القوة الجبارة كائنًا ضعيفًا واهيًا لا يد له على مقارعة خطوبه، ولا حيلة له على رد مشيئته، وقد حدد في ضوء هذا الإيمان المستقر في وعيه رؤيته من الحياة والناس والكون، فأحسّ جرّاء ذلك كله بالاغتراب

(1) صحيح مسلم: 3/ 763 (باب النهي عن سب الدهر) .

(2) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام: 8/ 436.

(3) الشعر الجاهلي منهج في دارسته وتقويمه: 1/ 404.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت