مما يحيط به ويدور حوله، ومن الكون نفسه، إنّ فكرة الدهر المهيمن فكرة جاهلية محضة نتج عنها الصراع مع المجهول، ومن ثم الخوف مما تخفيه الأيام من كوارث قد تصيب الإنسان وهو في غفلة من أمره، ومن هنا نشأ الإغتراب الكوني عندهم" [1] ."
ولا شك في أنّ المستقبل بُعْد زمني مجهول مفعم بالأسرار التي تعجز الإنسان عن بلوغ كنهها ومعرفة فحواها، ولأجل ذلك خاف الشاعر المستقبل وذُعر منه تاركًا له مهمة الكشف عما يخبئه في رحمه، ويحمله إليه من أحداث ومفاجآت، قال طرفة:
ستبدي لك الأيّامُ ما كنتَ جاهلًا ... ويأتيك بالأخبار من لم تُزَوّد
ويأتيك بالأخبار مَنْ لم تبعْ له ... بتاتًا، ولم تضرب له وقتَ موعدِ [2]
فالماضي تجربة استقرت في الذاكرة والحاضر تجربة معاشة، أو لحظة ذات كيان يخوض الإنسان غمارها، وليس المستقبل إّلا تجربة جديدة مباغتة لا علم لأحد بماهيتها، ولا بالصورة التي ستكون عليها، ولا بالنتائج التي ستتمخض عنها" [3] . لا يتهيأ لها لجهله بها وبالأسباب الكفيلة لمواجهتها، قال زهير بن أبي سلمى:"
(1) القلق والاغتراب في الشعر العربي قبل الإسلام: 44.
(2) ديوانه: 66 - 67.
(3) ينظر: فلسفة القلق: 49، والسيرة النبوية بين التأريخ والخيال الشعبي (في مجلة) : 331، والإنسان بين الجوهر والمظهر: 115، الزمان الوجودي: 174.