وأعْلمُ ما في اليومِ والأمسِ قبله ... ولكنّني عن علمِ ما في غدٍ عَمِ [1]
وما على الشاعر في هذه الحال إلاّ التشبث بالحاضر المبهج والنظر إليه على أنه الفرصة التي أصبحت طوع يديه وعليه اعتصارها مخافة ألاّ تتكرر [2] ، لأن الآتي قد ينغص على الشاعر متعه وملذاته، ويحيل حياته الناعمة عيشًا ناصبًا، ومن هنا يأبى طرفة بن العبد منطق عاذلته التي ترى الخلود في إمساك المال وحفظه، ولا يعبأ بنصيحتها ما دامت لا تتكئ على علم، ولا تساير ما استقر في ذهنه عن الغد المجهول ومخاوفه:
وتقولُ عاذلتي وَ ليس لها
بغدٍ، ولا ما بعْدَهُ، عِلْمُ
إنّ الثَّراء هو الخلود وإ
نَّ
المَرءَ يُكربُ يومَهُ العُدْمُ [3]
فالتكهن بالغيب، والحديث عمّا سيكون عليه لا يعدو كونه هذرًا مجردًا من كل قيمة، ولا يحمل أي دلالة لإفتقاره إلى الدليل الملموس، والشاهد المؤيد، قال زهير يمدح سنان بن أبي الحارثة المري:
إنّي شهِدتُ كرامًا من مواطنه ... ليست بغيبٍ ولا تقوالِ ذي هَذَر
(1) شرح ديوانه: 29، وينظر: شرح القصائد العشر: 390.
(2) ينظر: ديوان طرفة: ق 4 ب 77 - 84/ 50 - 52.
(3) ديوانه: 231.