الصفحة 65 من 392

وعلو في الأخلاق، وهو إذْ يذكر هذه المزايا كأنما يشهرها سيفًا مصلتًا في وجوه ظالمميه والواقفين وراء اغترابه [1] ، ولم تكن متع الحياة أو مباهجها بديلًا للشاعر عن الطمأنينة التي أُغرم بها، وحرص على وجودها النابض، وقد قاده غرامه بها إلى ترجيح كفتها على كل ما عداها، لأنها المعادلة للحياة نفسها، تمتلىء الحياة بوجودها وتحيا بغيابها، وقد وجد المسيب بن علس في سامة بن لؤي المثل الرائع للإنسان المنحاز إلى الأمن، والمضمون الموازي للأباء العربي الرافض للهوان والإختناق، إذ آثر الفقر مع الأمن على الغنى مع العبودية فارًا بدينه (حريته) من موطن السوء (على الرغم من خصبه وغناه) ضاربًا في البلاد حيث شاء، فالأرض واسعة وللناس فيها مذاهب، قال المسيب بن علس:

وقد كان سامةُ في قومه ... له مأكلٌ وله مشربُ

فساموه خسفًا فلم يرضَهُ ... وفي الأرض عن خسفهم مذهبُ

فقال لسامةَ إحدى النسا ... ء: مالكَ يا سامُ لا تركبُ؟

أكلُّ البلادِ بها حارسُ ... مُطلُّ وضرغامةُ أغلَبُ

فقال: بلى إنّني راكبٌ ... و إنّي لِقوميَ مستعْتِبُ

فشدَّ أُمونًا بأنساعها ... بنخلةَ إذْ دونها كبكبُ [2]

إنّ اتباع سبيل الرفض لمنطقي الغي والفساد سبيل لا محيد عنها، وهذه السبيل، أو قل هذه الرؤية التي انتمى إليها الشاعر تضاءلت أمامها كل الصلات الأخرى حتى صلة

(1) ينظر: نفسه: ب 10 - 16/ 32 - 35.

(2) ديوانه: 62، كبكب: موضع بين نخلة وعمان على طريق مكة، نخلة: موضع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت