فهرس الكتاب
أما عروة بن الورد فإنه يجتاز الفلاة المضلة المخوفة من غير أن يستشير أحدًا فيها مستعينًا بقدرته الخاصة في الإهتداء إلى مسالكها الموصلة إلى برّ الأمان [1] .
وفي الصحراء عوامل كثيرة تتضافر مع بعضها لتشكل صورة المكان الذي يرهبه الإنسان، منها سعتها وترامي أقطارها، فهي تمثل مكان الإطلاق والإمتداد، مكان التشابه، فهي محيط من الرمال يتيه فيها الإنسان لتشابه جزئيات تكوينها والظاهرة المكانية هي ظاهرة تنوع وامتلاء، ولكن الصحراء ظاهرة امتداد وخواء تعمق السكون المادي، وتعكس وحشة في نفس الفرد الجاهلي [2] .
إن اتساع الصحراء وندرة العلامات الدالة التي يهتدي بها مجتازوها [3] كثيرًا ما كانا يحولان دون تبيين السالك طريقة فيها، ويسببان له إرهاقا مضاعفا قد يفضي به إلى الهلاك، قال الأعشى:
وكم دون بيتك من مَهْمهٍ ... وأرضٍ إذا قِيسَ أميالُها
يحاذَرُ منها على سَفْرِها ... مَهَامِهُ تِيهٌ وأغوالُها [4]
وقد أكسبت الأسفار في الفيافي الإنسان العربي تجارب أعانته على معرفة ما يكتنفها من صعاب وما تخبئه له مجاهيلها من مهالك، فاحتاط للأمر وفكر في سبل النجاة، فلم يكن يدخر جهدًا أو وقتًا وهو في قلب الصحراء إلاّ يبذلهما للتعجيل في
(1) ينظر: ديوانه: 77 - 78.
(2) القلق والاغتراب في الشعر الجاهلي قبل الإسلام: 25.
(3) ينظر: ديوان عبيد بن الأبرص: ق 12 ب 9/ 39.
(4) ديوانه: 165، وينظر: ق 3 ب 11ـ12/ 27.