فهرس الكتاب
وبيداءَ تحسِبُ آرامَها ... رجالَ إيادٍ بأجلادها
يقول الدليلُ بها للصِّحا ... بِ لا تخطئوا بعض أرصادها [1]
وقد يحار الدليل أيضًا، أو تخذله ذاكرته التي يستقي منها، فيكون ذلك أدعى للخشية على النفس وأمعن في الدلالة على شدة الهول، قال الأسود بن يعفر:
وسمحةِ المشي شملالٍ قطعتُ بها ... أرضًا يحارُ بها الهادونَ ديموما
مهامهًا وخروقًا لا أنيسَ بها ... إلاّ الضوابحُ والأصداءُ والبوما [2]
إن حيرة سالك الصحراء ودليله مسوّغة لأنهما طارئان على الصحراء، ولكن ما بال القطا وهو من سكانها، بل من أهدى طيورها يموج بالحيرة والخوف في أكنافها [3] ؟ ورائد الصحراء بأمس الحاجة إلى الماء، لكن الصحراء لا تسعف حاجته، ولا تلبي طلبه وكثيرًا ما يضطر إلى افتظاظ كروش الإبل ليطفىُ ظمأه [4] ، فهو دائم الحرص شديده على ما يحمله معه من الماء يتقشف في شربه، ويحذر رهطه مغبة الإفراط في شربه، أو التفريط به، مقدّرا في ذلك مخاطر الزمن الآتي في رحلة يطول مداها، قال الأعشى:
ويهماءَ قَفْرٍ تخرجُ العَيْنُ وسْطَها ... وتلقى بها بيضَ النّعام ترائكا
يقولُ بها ذو قوّة القوم إذ دنا ... لصاحبه إذ خاف منها المهالكا
لك الويل أَفْشِ الطّرفَ بالعين حولنا ... على حذرٍ وأَبْقِ ما في سِقائكا [5]
وقد يعثر السّفار على منهل هنا أو هناك من أرض الصحراء، بيد أنه غالبا ما يكون دارسًا آجن الماء متغير اللون تعلوه الطحالب، فلا يغني كثيرًا، قال أبو دؤاد الأيادي:
ومنْهلٍ لا يبيت النومُ حَضرتَه ... من المخافة أُجْنٍ ماؤُهُ طامي
هرقتُ في حوضه صُفْنا ليشربَه ... في دائر خَلَقِ الأعضادِ أهدامِ [6]
(1) ديوانه:71.
(2) ديوانه: 60
(3) ينظر: شعر النابغة الجعدي: ق 1 ب 7 - 8/ 5، والمفضليات: ق 64 ب 4/ 259.
(4) ينظر: ديوان علقمة الفحل: ق 2 ب 53/ 77.
(5) ديوانه: 89.
(6) أبو دؤاد الأيادي وما تبقى من شعره: 334، وينظر: ديوان امرىء القيس: ق 100 ب 8/ 363، وديوان طرفة ق 3 ب 14/ 27، وديوان الأعشى: ق 4 ب 15/ 37، وق 33 ب 47/ 223.