الصفحة 74 من 392

وقد اتخذ الشعراء تحديهم لهذا الظرف المهول أمارة لمقدرتهم على تخطي المواقع وقهر الصعاب، فصاغوا منه فخرًا فرديًا، قال بشر بن أبي خازم:

وخَرْقٍ تعزِفُ الجِنّان فيه ... فَيَافِيْه يطيرُ بها السِّهامُ

ذَعَرتُ ظباءَهُ متغوّراتٍ ... إذا ادَّرَعَتْ لوامعهَا الإكامُ [1]

ولليل في نفس العربي رهبة مثله في ذلك مثل غيره من أبناء الشعوب الأخرى [2] ، فالليل بجهامته المرعبة وظلامه المكفهر يثير هواجس الإنسان وينشط وساوسه فيبدو ضعيفًا واهيًا أمام أحداثه، ولذلك قالوا: الليل يكفيك الجبان ونصف الشجاع [3] ، ولا شك في أنّ الصحراء مخيفة بصمتها وسكونها ويزداد الخوف منها إذا لفها الليل لقتامته المرعبة [4] ، وعند ذاك لا يجرؤ على اقتحام مجاهيلها المضلة إلاّ من كان رابط الجأش، ثابت الجنان، وقد قرن الشعراء قطع الصحراء في الليالي الحنادس بمعاني البطولة والتحدي التي أودعوها قصائدهم في المديح والفخر، قال عبيد بن الأبرص:

وخْرقٍ تصيحُ الهام فيه مع الصّدى ... مَخُوفٍ إذا ما جنه الليل مرهوب

قطعتُ بصهباءِ السَّراةِ شملَّةٍ ... تزِلُّ الولايا عن جوانبِ مكروبِ [5]

وهذا الأعشى يفخر بقطعه الصحراء في ليلة مدلهمة تحجب الرؤية ويستوي فيها البصير ومطفأ البصر:

وَ ليلٍ يقول القومُ من ظلماتِهِ ... سواءٌ بصيراتُ العيونِ وعُورُها

كأنّ لنا منه بيوتًا حصينةً ... مسوحٌ أعاليها وساجٌ كسورُها

تجاوزتُه حتى مضى مُدْلَهِمُّهُ ... ولاح مِنَ الشمس المضيئة نورُها [6]

(1) ديوانه: 203 - 204، وينظر: ديوان علقمة الفحل: ق 2 ب 45 - 46/ 73.

(2) ينظر: الشعر الجاهلي منهج في دراسته وتقويمه: 1/ 337، والليل في الشعر الجاهلي (في مجلة) : 537.

(3) العقد الفريد: 1/ 70.

(4) ينظر: ديوان امرىء القيس: ق 79 ب 12 - 13/ 331.

(5) ديوانه: 26، وينظر: ديوان الأعشى: ق 13 ب 22 - 23/ 103، شملة: سريعة.

(6) ديوانه: 373.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت