فهرس الكتاب
أما عمرو بن قميئة فليل صحرائه يخشى السائرون فيه الخبال:
وليلٍ تعسَّفتُ ديجورَه ... يخافُ به المُدلِجون الخَبالا [1]
ويقترن الحديث عن الصحراء وليلها والخوف منها بالحديث عن البوم التي يتشاءم منها الناس، ويتطيرون من الأمكنة التي تحل فيها [2] ، وفي ضوء ذلك عدّ الشعراءُ طرقَهم الأمكنة التي يسمع فيها نئيم البوم ضربًا من البطولة التي لا يقدم عليها إلاّ الشجعان الأقوياء الذين لا ينال منهم الخوف، قال المثقب العبدي:
أُمضِّي بها الأهوال في كّلِ قفرةٍ ... ينادي صداها آخرَ الليل بومُها [3]
إنّ ضلال الطريق في ليل الصحراء الحالك كان واحدًا من الاحتمالات المرعبة التي يتوقع المدلجون حدوثها، ومن هنا فإن حرص الإنسان العربي على حياة التائه في الصحراء المضلة المنبثق من وازعه الإنساني النبيل دفعه إلى إيقاد النار ليلًا على أرض يفاع ليهتدي بها الذين ضلوا طريقهم في لجة الصحراء، إلى حيث يجدون الأمن بعد الخوف والأنس بعد الوحشة، قال عوف بن الأحوص:
و مُستَنْبِحٍ يخشى القَواءَ ودونه ... من الليل بابا ظُلمةٍ و ستورُها [4]
رفعتُ له ناري فلمّا اهتدى بها ... زجرتُ كلابي أنْ يهرَّ عقُورها [5]
وللجن في الصحراء وقع شديد، وخوف عظيم في النفوس تقتضي دراسته عناية خاصة لكونه يمثل الجانب المفترض أو الجانب الذي يحكمه الخيال من المكان [6] ، والجن كما يدل عليه معناه كائن مستتر
(1) ديوانه: 59.
(2) المفصل في تأريخ العرب قبل الإسلام: 6/ 797، والطبيعة في الشعر الجاهلي: 193، والشعر الجاهلي منهج في دراسته وتقويمه: 1/ 337.
(3) ديوانه: 249، وينظر: المرقش الأكبر أخباره وشعره (في مجلة) : ق 3 ب 9/ 876، وديوان الأسود بن يعفر: ق 11 ب 11/ 60، وديوان الأعشى/ ق 13 ب 23/ 103، وشعر ربيعة بن مقروم الضبي: ق 8 ب 7/ 361، قصائد جاهلية نادرة ب 19/ 127 ..
(4) القواء: الخالي من الأرض، أي يخشى أن يهلك فيه.
(5) المفضليات: 176.
(6) الرواية والمكان: 27، والمكان في الشعر العربي قبل الإسلام: 40.