الصفحة 77 من 392

وقد ذكر العرب أمكنة كانت مساكن للجن من مثل وادي عبقر، والبدي، والبقار، والربضات [1] ، وأشهر هذه الأمكنة وادي عبقر فرنوا بجنه كل عمل رفيع يقدمون عليه وكأنه من عمل الجن ولا طوق للإنسان عليه، فهناك العلم العبقري، والسيد العبقري والظلم العبقري [2] ، ولهذه الأمكنة ذكر كثير في الشعر العربي قبل الإسلام في معرض الفخر بالفرسان وما هم عليه من فتوة وحدة نشاط، قال زهير بن أبي سلمى، ذكرًا جنة عبقر:

إذا فزعوا طاروا إلى مستغيثهم ... طِوالَ الرِّماحِ لا قصارٌ ولا عُزْلُ

فإنْ يُقتلوا فَيُشتفى بدمائهم ... وكانوا قديمًا من مناياهم القتلُ

بخيلٍ عليها جِنّةُ عَبْقَرِيّةٌ ... جَديرونَ يومًا أنْ ينالوا ويستعْلوا [3]

وقال النابغة ناسبًا فرسانه إلى البقار:

سَهِكين من صدأ الحديد كأنّهم ... تحتَ السَّنَوَّرِ جِنُّة البقّارِ [4]

بيد أنّ هذه الأمكنة لا وجود لها على أرض الواقع، إنّما هي أمكنة مظنونة متخيلة لا مستقر لها إلاّ في الذهن أو في الواقع الشعري [5] .

إنّ اعتقاد العرب بوجود كائنات غيبية وأرواح محتجبة تمارس تأثيرها في مجريات حياتهم حمل غير قليل منهم على عبادة ا لجن رهبة منه لا رغبة فيه [6] .

وتذكر بعض المصادر أن هذه العبادة كانت مقتصرة على قلة قليلة من سكان البراري [7] ، وقد ورثت بعضها من اليهودية والنصرانية والمجوسية [8] ، بيد أن القرآن الكريم أشار بوضوح إلى أن أكثر العرب

(1) صفة جزيرة العرب: 241.

(2) رسالة الملائكة: 41، والجمان في تشبيهات القرآن: 71 - 72.

(3) شرح ديوانه: 102 - 103، وينظر: ديوان العباس بن مرداس: ق 17 ب 6/ 63.

(4) ديوانه: 56. سهكين: عليهم سهكة الحديد، وهي الرائحة المتغيرة.

(5) المكان في الشعر العربي قبل الإسلام: 87.

(6) في طريق الميثولوجيا عند العرب: 235، والجن في الأدب العربي: 100.

(7) الأصنام: 34، وتاريخ الرسل والملوك: 2/ 349، وبلوغ الأدب: 2/ 242.

(8) قضايا الشعر الجاهلي: 434.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت