فهرس الكتاب
كانوا يؤمنون بالجن ويتخذونه شريكًا للآلهة [1] ، وهو لا يختلف عندهم عن الآلهة إلاّ في طبيعة علاقته بالإنسان فالآلهة رحيمة والجن مؤذ ومخاصم وإنّ الآلهة في نظرهم كانت تسيطر على الامكنة الماهولة بالناس، أما الجن فيسيطر على القفار والبراري [2] .
ومن هذا المنطلق عزوا إليه كل عمل عظيم مخيف خارق للقدرة البشرية في العلم والإيذاء وحذق الصنعة [3] ، فمن أعاجيب صنعه إنشاء مدينة تدمر وإرساء قصورها المدهشة بأمر من سليمان [4] .
أما الشعر الذي أحله العرب محلًا رفيعًا وأكبروه، فظنوه الهامًا ينزل على قلّة ضئيلة متميزة من الناس فيفيض على ألسنتهم بيانًا ساحرًا وقولًا بديعًا، فنسبوه إلى الشياطين حتى أصبح لكل شاعر مفلق منهم شيطان يبث في روحه الشعر، ويوحي إليه القريض المبدع، قال حسان بن ثابت:
ولي صاحبٌ من بني الشَّيْصَبانِ ... فطورًا أقولُ وطورًا هُوَهْ [5]
وقد عمد الشعراء إلى تلك المعاني الرهيبة للجن من قوة خارقة وعنف شديد وما إليهما في أشعارهم ـ ولا سيما في شعر الفخر ـ مدركين تمام الإدراك قيمة تلك المعاني، وما تولدها من ايحاءات وظلال في خلق مشاعر الفزع والهلع لدى المتلقين، ولرسوخ تلك المعاني في معتقدات القوم مبدعين ومتلقين على حد سواء، فهذا امرؤ القيس يشبه أزجة سهامه المحددة بأنياب الأغوال وفي ذهنه تلك الصورة الوهمية المفزعة للجن التي ينتظر منها إحداث الرعب المبتغى في قلب خصمه، قائلًا:
(1) ينظر: سبأ: 40 - 41، والأنعام: 100، ويس: 60، والجن: 6.
(2) تاريخ العرب (المطول) : 1/ 136.
(3) ينظر: قضايا الشعر الجاهلي: 434، والمفصل في تأريخ العرب قبل الإسلام: 8/ 406، والنقد الأدبي الحديث: 365، وشياطين الشعراء: 57، والسعلاة بين الحقيقة والخيال (في مجلة) : 35.
(4) ينظر: ديوان النابغة: ق 1 ب21 - 23/ 20 - 21، والإكليل: 8/ 126.
(5) ديوانه: 1/ 520، وينظر: ديوان امرىء القيس: ق77 ب24/ 322، وديوان الأعشى: ق15، ب43/ 125، وق20 ب27/ 155، وق 33 ب32/ 221.