الصفحة 79 من 392

أيقتلني والمَشْرَفِيُّ مُضاجعي ... ومَسْنُونة زُرْقٌ كأنيابِ أغوالِ [1]

أما الشنفرى الأزدي فيحار الخلق في أمره لما يقدم عليه من جلائل الأعمال التي لا يتيسر لأحد سواه أن يأتي ينظائر لها، فهو بهذا أقرب ما يكون إلى الجن وأبعد ما يكون من الإنس:

فقالوا: لقد هرّتْ بليلٍ كلابُنا ... فلقنا: أَذئبٌ عَسَّ أمْ عسّ فُرْعلُ؟ [2]

فلم تك إلاّ نبأةٌ ثم هَوّمتْ ... فقلنا: قطاةٌ ريعَ أمْ ريع أجْدَل؟ [3]

فإنْ يك من جّنٍ لا برجُ طارقًا ... وإنْ يك إنسًا ما كها الإنسُ تفعل [4]

كما أن آخرين من الشعراء قرنوا أعوانهم من الفرسان الأشداء بالجن [5] ، فضلًا عن خيولهم التي يمتطون صهواتها وهي تندفع بهم إلى سوح الوغى [6] .

ولم تكن مشاهد الصحراء الموضوعية المخيفة ـ في رأي ابن الصحراء ـ بكافية لتصوير الرهبة المفزعة التي كانت تنتابه منها، فخف إلى الخيال لخلق عوالم جديدة ذات أبعاد مكانية تستقطب تجربته النفسية وتعبر عنها [7] .

وعلى الرغم من أن الجن قوة أثيرية غير مرئية، فإن الشاعر بدافع من المبالغة في تأكيد النفس وإظهارها بمظاهر الجلد والتحدي والصبر على المطاولة قد يشخص الجن ليواجهه مواجهة الند للند في صراع مرير يخرج منه ظافرًا، فهو بهذا يسمو على عوامل الخوف التي تمور في نفوس الآخرين، إذ يحقق ظفرًا يعجز الاخرون عن صنع نظائر له ما دامت الرهبة تستحوذ على نفوسهم من الجن الذي لا يطاول على حد زعمهم، قال تأبط شرّا:

(1) ديوانه: 33. المسنونة الزرق: أراد بها السهام.

(2) فرعل: ولد الضبع.

(3) ربع: أفزع، الأجدل: الصقر.

(4) لامية العرب: 59 - 60.

(5) ينظر: ديوان النابغة: ق 23 ب 21/ 128 ..

(6) ينظر: ديوان الأعشى: ق 29 ب 36/ 199، وقصائد جاهلية نادرة: ب 16/ 151.

(7) ينظر: شرح ديوان زهير: 265.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت