فهرس الكتاب
فشدّتْ شدّةً نحوي فأهوى ... لها كفي بمصقولٍ يماني
فأضربَها بلا دَهشٍ فخرّتْ ... صريعًا لليدين وللجِران
فقالت: عُدْ، فقلت لها: رُويدًَا ... مكانكِ إنني ثبتُ الجَنان
فلم أنفكَّ متكئًا عليها ... لأنظرَ مُصْبِحًا ماذا أتاني [1]
وكما اسقطت مخيلتهم صورة الجن على أبصارهم، أسقطت صوته على سمعهم، فسمعوا ما لا يسمع من عزيفه المفزع الذي يتآزر مع وحشة الصحراء كلما جنّ الليل، ودمس الظلام، قال الأعشى:
وبلدةٍ مثلِ ظهرِ التُّرس موحشةٍ ... للجنِّ باللّيلِ في حافاتها زَجَلُ
لا يَتَنَمَّى لها بالقيظِ يركبُها ... إلاّ الّذينَ لهم فيما أتوا مَهَلُ
جاوزتُها بطليحٍ جسرةٍ سُرُحٍ ... في مرفقيها إذا استعرضتهَا فَتَلُ [2]
وقد شاع في العصور القديمة أن الجن ينزعج ويهرب من الأصوات المنبعثة من المعادن، وعلى وفق هذه الأسطورة أصبحت الأجراس رمزًا للقوة القادرة على طرد الأرواح الشريرة [3] ، ومن هنا كانت العرب تعلق على اللديغ الحلي لطرد الأرواح الشريرة بوسوستها، ولئلا ينام اللديغ فيدب السم في جسده فيودي بحياته بمعونة تلك الأرواح، وقد أشار النابغة الذبياني إلى ذلك حين صوّر قلقه وخوفه من غضب النعمان عليه [4] .
ومن خرافاتهم أيضًا أن الرجل إذا خاف أخطار الجن علقوا عليه كعب أرنب أوذئب ليتفادى تلك الأخطار، لأن الجن في زعمهم ينفر من ذلك [5] ، وفي شعر امرىء القيس ما يؤكد هذا الزعم [6] .
(1) شعره: 173 - 175، وينظر: ق 27 ب 9 - 12/ 123 - 124.
(2) ديوانه: 59.
(3) الفلولكلور في العهد القديم: 2/ 228، والأسطورة (نبيلة ابراهيم) : 79.
(4) ينظر: ديوانه: ق 2 ب 11 - 12/ 33.
(5) الحيوان: 6/ 357.
(6) ينظر: ديوانه: ق 8 ب 1 - 3/ 128.