فهرس الكتاب
إن الصحارى والبراري والأمكنة المهجورة الأخرى بطبيعتها تثير الهواجس، وتبعث الوساوس والأوهام ولا سيما إذا اسدل الليل ستاره وغمر بظلامه كل شيء، وبسبب ذلك ظنها السّفار مساكن للجن يسمعون فيها عزيفه ويرون شخصه، وقد علل المسعودي هذا الوهم بقوله:"وإنّ ما تذكره العرب وتنبىء به من ذلك إنما يعرض لها من قبل التوحد في القفار، والتفرد في الأودية، والسلوك في المهامه والمروراة الموحشة، لأن الإنسان إذا سار في مثل هذه الأماكن توحد وتفكر، وإذا هو تفكر وجل وجبن وإذا هو جبن داخلته الظنون الكاذبة والأوهام المؤذية، والسوداوية الفاسدة، فصورت له الأصوات، ومثلت له الأشخاص، وأوهمته المحال بنحو ما يعرض لذوي الوسواس ... لأن المتفرد في القفار والمتوحد في المروراة مستشعر للمخاوف، متوهم للمتالف، متوقع للحتف، لقوة الظنون الفاسدة على فكره، وانغراسها في نفسه، فيتوهم ما يحكيه من هتف الهواتف به واعتراض الجان له" [1] .
ومثلما للصحراء رهبة في النفوس، فإن للجبل رهبة مماثلة باعثها علو قامته ووعورة مسالكله اللذان يجعلان ارتقاءه عسيرا إلاّ على قلّة ضئيلة احكمتها التجارب والمراس، وقد رمز الشعراء بالجبل دومًا إلى العز والمنعة، ومن هنا أحل النابغة الذبياني بيوته جبلًا باذخًا ليصون عزها ويضمن لها الأمن والطمأنينة، بعيدا عن كل أذى محتمل، أو كل سوء منتظر، فضلًا عن أن الصور التي حشدها للدلالة على ارتفاع الجبل المفرط تستثير الخوف المرتجى في من تحدثه نفسه بالمخاطرة في ارتياده أو بلوغ ذراه، قائلًا:
وحلّتْ بيوتي في يفاعٍ ممنّعٍ ... تخالُ به راعي الحَمولةِ طائرا
تزِلُّ الوعولُ العُصمُ عن قُذفاته ... وتُضحي ذراه بالسحاب كوافرا
حِذارًا على ألاّ تُنال مقادتي ... ولا نسوتي حتّى يمتنَ حرائرا [2]
(1) مروج الذهب ومعادن الجوهر: 2/ 139 - 140، والحياة العربية من الشعر الجاهلي: 459، والطبيعة في الشعر الجاهلي: 236، وفي طريق الميثولوجيا عند العرب: 211.
(2) ديوانه: 69 - 70.