فهرس الكتاب
والشعراء الصعاليك الذين عاشوا حياتهم على الغارة ومباغتة أصحاب ا لمال، وجدوا في مراقبهم الجبلية معاقل يتحصنون بها، وأمكنة آمنة يتداولون فيها أمورهم لوضع الخطط التي تسهَّل عليهم الغارة وتمكنهم من الإنقضاض على الهدف في الثأر والغنيمة [1] .
والصعاليك حين يتحدثون عن مراقبهم يصفونها على نحو يثير مشاعر الرهبة وفي تضاعيف ذلك يتحدثون عن أنفسهم بلغة تنم عن صبرهم في المكث فيها واحتمالهم متاعبها ومقدرتهم الفائقة على تذليل صعابها ومهارتهم الفذة في الإرتقاء إلى أعاليها، فهم وحدهم - كما يزعمون- أهل لهذه المهام العسيرة قال عمرو ذو الكلب:
ومرقبةٍ يحارُ الطّرفُ فيها ... إلى شَمّاءَ مُشرِفةِ القَذالِ [2]
أقمتُ برَيدها يومًا طويلًا ... و لم أُشرفْ بها مثلَ الخيال
ومقْعدِ كُرْبةٍ قد كنتُ فيها ... مكان الإصبعين من القِبالِ [3]
أما الصفات المرعبة التي أضفاها الصعاليك على مراقبهم، فتكاد تكون واحدة تتكرر في أشعارهم، فهي (عيطاء، عنقاء) وشديدة الملاسة (كذلق الفأس، تزل دوارج الحجل) مجدية (حصّاء) ولا أنيس فيها سوى الحيوان المفترس، قال أبو كبير الهذلي:
وعلوتُ مرتبئًا على مرهوبةٍ ... حصّاءَ ليس رقيبُها في مثملِ [4]
عيطاءَ مُعنِقةٍ يكون أنيسُها ... ورق الحَمام جميعها لم يُؤكل
وَضَعَ النَّعاماتِ الرجالُ بريدِها ... من بين شعشاعٍ و بين مظلّلِ [5]
أخرجت منها سلقةً مهزولةً ... عجفاءَ يبرقُ نابها كالمِعولِ [6]
(1) ينظر: شعر تأبط شرًا: ق11 ب16/ 84.
(2) القذال: الرأس، ويربد رأس الجبل.
(3) ديوان الهذليين: 3/ 119.
(4) مرهوبة: يرهب أن يرقى فيها، حصاء: ليس فيها نبات، ليس رقيبها في مثمل: أي في حفظ.
(5) النعامة: خشبتان تنصبان ويلقى عليها ثمام ويستظل بها الربيئة، الريد: الحرف النائي من الجبل.
(6) سلقة: ذئبة، عجفاء: مهزولة.