الصفحة 584 من 616

البيان، من الفصاحة ما هو من السحر الذي يشوه الحقائق ويموه، ويؤثر على العقول، حتى ترى الشيء على غير ما هو عليه، مثل السحر التقليدي، أليس الساحر المخيل يُري، يعني يموه على العقول حتى ترى الأشياء على غير حقيقتها، كما في سحر سحرة فرعون {قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى} .

فالفصيح البليغ إذا استغل فصاحته وبيانه في الباطل قد يلبس الحق ثوب الباطل

والباطل ثوب الحق، حتى يلبس على العقول فترى الأشياء على غير ما هي عليه، يستشهد لهذا المعنى بقول الشاعر:

في زخرف القول تزين لباطنه ... والحق قد يعتريه سوء تعبير

ويشهد لهذا قول الله سبحانه وتعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا} ، وهذا الصنف قد يقلب الحقائق في الخصومات، إذا دخل في الخصومات يجعل المحق مبطلا والمبطل محقا، وهذا يكون لحنا بالحجة، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: (( إنما أقضي بينكم بنحو ما أسمع، فلعل بعضكم يكون ألحن بحجته من صاحبه، فأقضي له، فمن قضيت له بما له أو بحق أخيه، فإنما أقطع له قطعة من نار فليخذها ـ أو ليدعها ـ ) )، أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

فالمقصود إن الرأي الصحيح، أن قوله صلى الله عليه وسلم: (( إن من البيان لسحر ) )ذم لضرب من البيان، وهو ما تزيف فيه الحقائق، ويلبس فيه الحق بالباطل. هذا وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله.

قال المؤلف، رحمه الله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت