أنه أخذ تلاميذه في مدرسة الألسن بنفس الطريقة، فكان المترجم ينتهي من ترجمة كتاب في التاريخ أو الجغرافيا فيعهد إليه بترجمة كتاب آخر في الكيمياء أو النبات أو الهندسة.؟
غير أننا نلاحظ أن الحركة كانت تتجه في أواخر العهد نحو التخصص، فالذين عينوا في مدرسة الطب من خريجي البعثات تخصصوا في ترجمة العلوم الطبية دون غيرها والذين عينوا في مدرسة المهندسين تخصصوا في ترجمة العلوم الرياضية.
وكان القائمون على حركة الترجمة في ذلك العصر، يعهدون ببعض الكتب بعد ترجمتها وتصحيحها إلى لجنة أخرى من مترجم ومصحح آخرين لمراجعتها على الأصل.
وكانت بعض الكتب تراجعها لجنتان أوثلاث، الواحدة بعد الأخرى .... كذلك يلاحظ أن المبدأ العام لم يتجه في هذه الحركة نحو التخصص في الترجمة، فقد رأينا طبيبًا يترجم في الجغرافية ومبعوثًا للتخصص في صناعة الحرير يترجم كتابًا في التاريخ" [1] . وهذا مما يضعف الترجمة ويهزلها، لكن هذه المرحلة لم تدم طويلًا فقد اتجهت الترجمة بعد ذلك - كما رأينا - نحو التخصص ليكون ذلك أدعى إلى صحة المترجم والثقة به."
وقد نقل الطهطاوي هو وتلاميذه إلى العربية والتركية أكثر من ألفي مؤلف. واشتهر من بينهم البقلي والرشيدي والنبراوي ورشدى والشباسي وشافعي، ثم الدرى وندى وعثمان غالب، وترجموا في عصر محمد علي وما بعده أكثر من مئتي مؤلف من أهم الكتب الطبية والطبيعية وأشهرها، ولم يعرب مثل هذا العدد من قبل.
وكان أسلوبهم في التعريب يختلف باختلاف الشخص ومبلغ احاطته بأصول العربية. وكان ما عرب في أول هذا العصر مقبولًا في جملته، غير أن طرق الوضع لم تكن قويمة، ولا تتفق في شيء مع قوام العربية. فإذا اطلعت على معجم صغير وضعه رشدى بالفرنسية وطبعه في باريز، تجده يعرب (amygdalitis) بلوزيت بدلًا من أن يقول العازور مثلًا، و (artertis) بشريانيت و (arthritis) بمفصليت و (gibbosity و basse) بأتب بدلًا من الحدب و (cream) بكريمة و (peritonitis) ببريتونيت و (physiolog) بـ فسيلوجيا أوالسلامة ...
(1) الشيال / تاريخ الترجمة في عصر محمد علي / 209