فالفعل المضعف (نزّل) مسندا الى الضمير (نا) زاد في ايحاءات المعاني التي انطوت عليها الآية التي اظهرت قيمة هذا الماء لانه ينزل برعاية الله سبحانه، وقد جاءت لفظة (مبارك) على الصيغة الاسمية لتكون اقوى في الرسوخ ولتشير الى"ثبوت البركة وافاضة الجود على دوام وزيادة واتساع من غير انقطاع ولا انتهاء" [1] . والتعبير القرآني ذكر (فَأَنْبَتْنَا به) ولم يقل {فَأَنْبَتْنَا في الأرضِ} او {أَنْبَتْنَا فيها} وذلك للاهتمام بهذا الماء المنزل الذي هو سبب كل حياة كما قال تعالى {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} (سورة الانبياء، الآية 30) .
اما ما جاء من السماء بمعنى السحاب مع فعل الانزال بصيغة المضارع المضعف (ينزّل) فقوله تعالى {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ} (سورة الانفال، الآية 11) الخطاب موجه الى المسلمين تذكيرا لهم بما انعم الله عليهم من انزال الماء [2] والآية واقعة في سياق جملة خبرية.
"روي ان المسلمين نزلوا يوم بدر في كثيب اعفر تسوخ فيه الاقدام على غير ماء فناموا فاحتلم اكثرهم، وغلب المشركون على الماء فوسوس اليهم الشيطان وقال: كيف تنتصرون وانتم غلبتم على الماء وانتم تصلون محدثين مجنبين وتزعمون انكم اولياء الله وفيكم رسوله فاشفقوا فانزل الله الماء عليهم" [3] . وقد كان انزال الماء إحدى مقومات النصر وإحدى علاماته إذ فيه حصل تطهير الجسد، ورفع وسوسة الشيطان وتقوية القلوب وتثبيت الاقدام. وقد استخدم التعبير القرآني الفعل (ينزل) بصيغة المضارع الذي يفيد الاستمرار والتجدد، وقد قدم هذا التركيب في الآية صورة الدعم المادي والمعنوي للمؤمنين يوم بدر حيث انهم هم المخصوصون بهذا المن والتفضل كما ظهر ذلك من خلال دلالة تقديم الجار والمجرور (عليكم) على المفعول به (الماء) ، ويستنبط من دلالة المضارع في الآية ان الله سبحانه دائم العون ومستمر فيه للعباد المؤمنين طالما عبدوه ونصروا دينه.
لقد كانت هذه النعمة العظيمة أحد أسباب النصر يوم بدر فسياق الاية نابض بالحياة من خلال تشكيلة المضارع، فالمدد والعون دائمان من الله سبحانه، وقد جاءت لفظة (ماء) نكرة في جميع الآيات التي وردت فيه السماء بمعنى السحاب وفي ذلك دلالة واضحة على سعة هذا الماء وكثرته وغزارته، حيث أن النكرة تفيد الاطلاق بلا تعيين ولا تقييد [4] .
(1) من الاشباه والنظائر في القرآن الكريم، عبد العزيز سيد الاهل: 23.
(2) انوار التنزيل واسرار التأويل: 3/ 43.
(3) جامع البيان: 9/ 130، وينظر الجامع لأحكام القران: 7/ 237.
(4) ينظر قضايا اللغة في كتب التفسير، د. الهادي الجطلاوي: 373.