الصفحة 24 من 150

أقرّوا أن الله سبحانه هو الذي ينزل عليهم الماء، فهم"معتقدون بأنه الموجود للممكنات بأسرها، أصولها، وفروعها، ثم انهم يشركون به بعض مخلوقاته التي لا تقدر على ذلك" [1] .

وقد وقعت (الفاء) في بداية الجملة الاستئنافية {فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا} ، وفي ذلك معنى كبير تمثل في سرعة هذا الاحياء كما دل عليه سياق الاية الكريمة [2] ، وكذلك استخدام الحرف (من) في قوله {مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا} فان التعبير القرآني زاد في بناء هذه الآية بمجيء حرف الجر (من) وكان قد ذكر في موضع اخر من سورة البقرة {وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} (الآية 164) وسبب الزيادة في سورة لقمان هو ان"المقام كان مقتضيا للتأكيد بمجيء (من) إلجاءً لهم إلى الإقرار بأن فاعل ذلك هو الله سبحانه دون أصنامهم؛ ولهذا لم يكن مقتضيا لمجئ (من) في آية سورة البقرة. وقد استخدم التعبير القرآني الفعل المضعف (نزّل) لزيادة التوبيخ والتقريع لهؤلاء الجاحدين المتكبرين، فإن كل زيادة في المبنى تؤدي الى زيادة في المعنى."فاللفظ ان كان على وزن من الاوزان ثم نقل الى وزن اخر اعلى منه فلا بد ان يتضمن من المعنى اكثر مما تضمنه أولا، لأن الالفاظ ادلة على المعاني فإذا زيد في الالفاظ وجب زيادة المعاني ضرورة" [3] ."

وأما ما جاء مع الفعل (نزّل) مسندا الى الضمير فقوله تعالى {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ} (سورة ق، الآية 9) والاية في سياق جملة خبرية تقريرية والمراد بالسماء هنا السحاب [4] . وقد اسند الفعل (نزل) الى الضمير (نا) الذي يعود الى الله سبحانه فالاسناد الى هذا الضمير هنا افاد معنى البركة والسعة في هذا الماء. فهذا الماء المنزل قد قدر له ان يكون على أكمل منفعة واعظم بركة، ولهذا عبر عن هذا الماء المنزل بقوله {مَاءً مُبَارَكًا} اي"كثير البركة كثير المنافع" [5] ، ولم يوصف الماء بالبركة في القرآن الكريم إلا في هذه الآية"فبركة ماء السماء هي ما نبه عليه بقوله تعالى {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ} (سورة الزمر، الآية 21) ولما كان الخير الالهي يصدر من حيث لا يحس ولا يعد ولا يحصى قيل لكل ما يشاهد منه زيادة محسوسة هو مبارك وفيه بركة" [6] .

(1) انوار التنزيل واسرار التأويل: 4/ 141.

(2) ينظر كتاب معاني الحروف للرماني: 44.

(3) ينظر البرهان في علوم القرآن: 3/ 34، والمزهر في علوم اللغة وآدابها للسيوطي: 1/ 49.

(4) الجامع لاحكام القرآن: 6/ 17، وينظر انوار التنزيل واسرر التأويل: 5/ 91.

(5) الكشاف: 4/ 5.

(6) المفردات في غريب القرآن: 58.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت