3.السماء بمعنى المطر:
وردت السماء بمعنى المطر في قوله تعالى {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءَاخَرِينَ} (سورة الانعام، الآية 6) ، الاية واردة في سياق العبرة والتفكر بما حل بالامم المكذبة السابقة التي جحدت آيات ربها مع إنعامه وتفضله عليهم، والخطاب موجه الى اهل مكة بخاصة والكفار بعامة [1] ، والشاهد في الآية قوله تعالى {وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا} وهي في سياق جملة خبرية معطوفة، والسماء هنا يعني بها المطر"وقد سمي المطر سماء لخروجه منها، وقال بعضهم انما سمي سماء ما لم يقع على الارض اعتبارا بما تقدم" [2] ، وذكر ابو عبيدة ان السماء هنا مجازها المطر [3] .
والارسال:"تنفيذ من فوق الى اسفل" [4] واسناد الارسال الى الله سبحانه نهاية في المنة والانعام والتفضل والبركة، وقوله (مدرارا) لفظ يدل على التكثير كمذكار للمرأة التي كثرت ولادتها للذكور، والمعنى (المطر الكثير) ، وهو مأخوذ من قولهم: در اللبن يدر اذا اقبل على الحالب بكثرة [5] علاوة على ان (مدرارا) جاءت منصوبة على الحال لتدل على دوام حال هذا الإنعام الذي يقتضي شكره لا الشرك به كما فعلت تلك الامم المكذبة وكل ذلك تعريض باهل مكة من الكفار.
وقد استخدم التعبير القرآني الحرف (على) مع (الارسال) ولم يستعمل الحرف (الى) الذي غالبا ما يستعمله مع الارسال [6] ، وهو يفيد"انتهاء الغاية في الزمان والمكان" [7] . وقد استخدم الحرف (على) هنا لما فيه من معنى العلو والارتفاع، وفي ذلك دلالة على ان المطر
(1) ينظر الكشاف: 2/ 6.
(2) المفردات: 355.
(3) مجاز القرآن: 1/ 187.
(4) درة التنزيل وغرة التأويل للخطيب الاسكافي: 170.
(5) ينظر الجامع لاحكام القرآن: 6/ 352، والكشاف: 2/ 6.
(6) من ذلك قوله تعالى في سورة يس {إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما} (الآية 14) .
(7) الجنى الداني في حروف المعاني للمرادي: 373، وينظر كتاب معاني الحروف: 115.