ينزل في قيعانهم واراضهيم ففيه معنى الشمول والسعة، فالعبارة القرآنية تتصرف بحروف الجر تصرفا على اعلى مستوى في اداء المعاني والافكار.
ومن استعمال السماء بمعنى المطر قوله تعالى {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ} (سورة هود، الآية 52) الآية الكريمة جاءت في سياق التذكير بنعم الله من قبل نبي الله هود - عليه السلام - لقومه عاد وقد كانوا مشركين، فدعاهم الى عبادة الله والتوبة والاستغفار، والآية في سياق جملة انشائية طلبية، والسماء في الآية تعني (المطر) وهو كثير عند العرب كما في قول الشاعر معاوية بن مالك الملقب بـ (معود الحكماء) : ...
اذا سقط السماء بأرض قوم ... رعيناه وان كانوا غضابا [1]
وقد دعاهم النبي هود - عليه السلام - برفق ولين قاصدا"استمالتهم الى الايمان وترغيبهم فيه بكثرة المطر وزيادة القوة؛ لان القوم كانوا اصحاب زرع وبساتين" [2] ، فكانوا احوج الى المطر، وقد قيل ان الله حبس عنهم المطر ثلاث سنين وعقمت ارحام نسائهم فلم تلد [3] . وقد استخدم التعبير القرآني الجملة الطلبية في سياق الاية فالفعل (يرسل) جزم لانه جواب طلب وفي ذلك اشارة من الله سبحانه وهي ان التوبة والاستغفار هما العنصران الاساسان في ارسال الرزق وانزال المطر، فالجواب فيه معنى المجازاة، وقد نصب (مدرارا) على الحال؛ لبيان دوام هذه الانعم وفيه معنى التكثير اي"يرسل المطر متتابعا بعضه فوق بعض، والعرب تحذف الهاء من (مفعال) على النسب، واكثر ما ياتي (مفعال) من (أفعل) وقد جاء هنا من (فعل) ؛ لانه من درت السماء فهي مدرار" [4] . وبما ان قوم عاد كانوا اهل زرع وبساتين فقد كان معنى الشرط في الآية تحفيزًا لهم وتشجيعا على الاستغفار والتوبة، كي تزداد قوتهم التي كانوا عليها [5] .
(1) ينظر لسان العرب: 14/ 399، ومقاييس اللغة: 3/ 98.
(2) الجامع لاحكام القرآن: 9/ 35.
(3) الكشاف: 2/ 274.
(4) ينظر القوم والديار في القرآن الكريم: اباء يونس رشيد، رسالة ماجستير مقدمة الى كلية الاداب في جامعة الموصل سنة 1998، ص 65.
(5) ينظر الجامع لاحكام القرآن: 9/ 35.