وقد أشار في نهاية الآية الى ان عدم الاستغفار والتوبة الى الله سبحانه يوقع عليهم صفة الإجرام فقال تعالى {وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ} وقد عبر عنها بالحال وهي هنا حال غير منتقلة بل ثابتة.
ومنه قوله تعالى {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا - يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} (سورة نوح، الآيتان 10 - 11) هذه المحاورة وقعت بين نبي الله نوح - عليه السلام - {وقومه المشركين، والآية في سياق جملة إنشائية طلبية، والسماء هنا بمعنى المطر، وروي عن مقاتل ان قوم نوح لما كذبوه زمنا طويلا حبس الله عنهم المطر واعقم ارحام نسائهم اربعين سنة فهلكت مواشيهم وزروعهم، فلجأوا إلى نوح فاستغاثوا به فقال لهم اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} ترغيبا لهم ودعوة إلى الإيمان بالله سبحانه [1] . وبما انهم كانوا أهل حرص على الدنيا فقد قال لهم: هلموا إلى طاعة الله فان في ذلك استمرار حياتكم هنا في الدنيا والفوز بالآخرة، كما قال تعالى {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءَامَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} (سورة الاعراف، الآية 96) ، فالايمان والاستغفار سبب في نزول الرزق والمطر والبركة من السماء [2] .
وحققت الجملة الطلبية وجوابها في سياق الآية معنى دلاليا تمثل في ربط نزول المطر بالاستغفار، وكذلك ذهب ابن الانباري الى ان الفعل (يرسل) مجزوم بتقدير إن الشرطية وتقديره: ان تستغفروا يرسل السماء عليكم مدرارا، و (مدرارا) منصوب على الحال [3] . وقد وقع الطلب وجوابه في سياق جملة مقول القول، وهي من الجمل المحكية.
وجاء في سياق الآية قوله تعالى {إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} ولم يذكر هذا القول في سياق آيتي سورتي (الانعام، وهود) السابقتين، وجاءت هذه الزيادة في أسلوب الخطاب هنا، لبيان حال النبي نوح - عليه السلام - والمدة الطويلة التي بقي يدعو قومه فيها رغبة منه في إيمانهم.
(1) ينظر جامع البيان: 29/ 59، والجامع لاحكام القرآن: 18/ 195.
(2) ينظر الكشاف: 4/ 163.
(3) البيان في غريب القرآن: 2/ 464.