وقوله {مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ} (ما) هنا ظرفية زمانية مصدرية في موضع نصب وتقديره: مدة دوام السموات والارض [1] ، وليست (ما) هنا نافية كما يظن [2] ، ومعنى الظرفية هنا حقق معنى دلاليا تمثل في بيان دوام عذاب الكفار واستمراره الى ما لانهاية. اما الاستثناء في قوله {إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ} ففيه اشارة الى ان هناك انواعا من العذاب غير النار كالزمهرير"فهو استثناء من الخلود في عذاب النار وحده بل يعذبون بالزمهرير وبانواع من العذاب سوى عذاب النار بما هو اغلظ منها كلها وهو سخط الله عليهم وخسؤه لهم واهانته اياهم" [3] . وقد جاء الاظهار في مقام الاضمار في قوله {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ} ، فقد أعاد التعبير القرآني ذكر (فيها) - الذي يعود على جهنم - ولم يقل (خالدين ما دامت السموات والأرض) ، لتعميق الاثر النفسي في العذاب للكافرين وقد استخدم التعبير القرآني لفظة (فعال) في قوله {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} ليدل على ان هناك زيادة اخرى في العذاب فوق ما يلقون [4] كما دلت عليه صيغة المبالغة.
اما سماء الجنة فقد اشار اليها في قوله تعالى {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} (سورة هود، الآية 108) الآية الكريمة في سياق جملة خبرية وهي تشير الى حال المؤمنين في الآخرة وهم المعنيون بقوله تعالى {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا} وقد اعاد التعبير القرآني ذكر الجنة بقوله (فيها) زيادة في التشويق وقد حقق حرف الجر (في) معنى دلاليا تمثل في ان الجنة اصبحت وعاء لهم"فالمعنى الاول لهذا الحرف هو الوعاء" [5] واهل الجنة لهم نعيم اخر غير الجنة كما بين ذلك الاستثناء في قوله {إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ} فلهم ما هو أجل وأكبر وهو رضوان الله سبحانه [6] ، كما قال تعالى وَعَدَ
(1) البيان في غريب اعراب القرآن: 2/ 28.
(2) الاتقان في علوم القرآن للسيوطي: 291.
(3) الكشاف: 2/ 294، وقد ذهب العلماء في تأويل هذا الاستثناء مذاهب عدة، ينظر قضايا اللغة في كتب التفسير: 311.
(4) ينظر الكشاف: 2/ 294.
(5) كتاب معاني الحروف: 96، وينظر المعاني المشتركة بين حروف الجر: 249.
(6) ينظر جامع البيان: 9/ 73، والكشاف: 2/ 294.