-في التحدي:
ومنه قوله تعالى {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (سورة الانفال، الآية 32) .
الآية الكريمة في سياق جملة انشائية طلبية تحققت بفعل الامر (امطر) الذي خرج معناه الى الدعاء، وقد نزلت الآية في النضر بن الحارث الذي قال"ان كان ما يقوله محمد حقا فأمطر علينا حجارة من السماء" [1] . وقوله (أمطر) بالألف يعني"كل شيء من العذاب، وان كان من الرحمة فهو مطرت" [2] ذلك لان الفعل الرباعي (أمطر) يدل على العذاب وان كان المطر مطر رحمة فيستعمل التعبير القرآني الفعل الثلاثي (مطر) وقوله تعالى على لسانهم {إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ} تهكم، كمن يقول على سبيل التخصيص والتعيين: هذا هو الحق؟! [3] .
وقد اسند القول هنا إلى جميع المشركين بعبارة (فأمطر علينا) والقائل واحد؛ ذلك لانهم كانوا في الكفر والعدوان سواء، وكلامهم جار مجرى القسم وذلك"انهم يقسمون بطريقة الدعاء على انفسهم اذا كان ما حصل في الوجود على خلاف ما يحكونه او يعتقدونه، وهم يحسبون ان دعوة المرء على نفسه مستجابة" [4] ، فقد كانوا لجهلهم وضلالهم يحسبون ان الله يتصدى لتحديهم هذا.
وقد علق الشرط باداة الشرط (إن) لتبين غباء هؤلاء المشركين بتحديهم لله بقولهم {إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ} وهو جملة الشرط و {أَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً} هو جملة جواب الشرط وهم أرادوا بذلك أن يظهروا لقومهم صحة اعتقادهم بعدم حقيقة القرآن، وقد ارادوا ان ينزل العذاب عليهم أولا، وظهر هذا المعنى من دلالة تقديم الجار والمجرور (عليهم) على المفعول (حجارة من السماء) ، وكذلك وقوع ضمير الفصل (هو) في قوله {إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ} الذي ادى معنى دلاليا اخر هو زيادة توكيد دعائهم على انفسهم، ولم يكتفوا بهذا العذاب بل ارادوا عذابا يختاره الله سبحانه أي نوع كان كما هو ظاهر من استخدام (أو) [5] التخييرية، وقد بينت الآية الكريمة حمق المشركين وسفاهة عقولهم، اذ ليس من الحكمة الدعاء على النفس بالهلاك والدمار.
جدول السماء ذاتها - الوجه المقابل للارض
(1) اسباب النزول للواحدي: 232.
(2) مجاز القرآن: 1/ 245.
(3) الكشاف: 4/ 155، وينظر الجامع لأحكام القرآن: 7/ 252
(4) التحرير والتنوير: 9/ 331.
(5) الجنى الداني في حروف المعاني: 245، وينظر كتاب معاني الحروف: 77.