الصفحة 67 من 150

وقوله {وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ} يدل على ان المؤمنين يرثون مواطن في الجنة كانت من نصيب أولئك الذين دخلوا النار [1] ، وفي ذلك زيادة لنعيم المؤمنين وسعادتهم وزيادة في عذاب الكفار والمشركين، فهو عذاب نفسي زيادة على عذابهم الجسدي في جهنم، فان حقيقة الميراث في الشرع هو ما انتقل إلى إنسان ملك غيره بعد موته على وجه الاستحقاق، وليس بصحيح في ايراث الجنة مثل هذا المعنى لان الجنة لا يسكنها قوم بعد سكنى قوم قد فارقوها وانتقلوا عنها، فقوله تعالى {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (سورة الزخرف، الآية 72) يعني ان المؤمنين لما عملوا في الدنيا اعمالا استحقوا عليها الجزاء والثواب، فكأنهم استحقوا دخولها فحسن من هذا الوجه ان يوصفوا بانهم ورثوها، وان لم يكن سكناهم لها بعد سكنى قوم آخرين [2] .

وقد استخدم التعبير القرآني الظاهر في موضع المضمر في قوله تعالى {وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ} ، فقد اعاد ذكر (الجنة) فلم يقل (واورثنا منها حيث نشاء) ، وذلك من اجل الاستلذاذ والبهجة للعباد المؤمنين من خلال اعادة ذكر ما يحبون وهي (الجنة) ، والبوء: هو السكنى والحلول، أي انهم يتقبلون فيها تفننا في النعيم.

وقد ختمت الآية بقوله تعالى {فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} فالمؤمنون يمدحون انفسهم، وهذا من التصريح بالحقائق، فليس فيه عيب تزكية النفس، لان ذلك العالم عالم الحقائق الكاملة المجردة من شوائب النقائض [3] ، فكأن المدح صادرٌ من عندهم؛ لزيادة الفرحة والسرور بينهم بالفوز بالجنة والنعيم الأبدي. وقد تكون خاتمة هذه الآية من كلام الله [4] ، فهو ثناء منه عليهم بما قدموا في الحياة الدنيا.

(1) ينظر الاتقان في علوم القرآن: 3/ 246، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 289.

(2) ينظر الوصف في القرآن الكريم: 6.

(3) ينظر التحرير والتنوير: 23/ 73.

(4) ينظر حاشية الجمل على الجلالين لسليمان بن عمر الجمل: 3/ 175.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت