فهرس الكتاب
قَالَ صَاحِبُ"التَّحْقِيقِ": وَقَدْ عَمِلَ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا وَهُوَ صَائِمٌ ، ثُمَّ ذَكَرَ ، فَلْيُتِمَّ صِيَامَهُ ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ" [1] .وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ ، حَتَّى قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَوْلَا الرِّوَايَةُ لَقُلْت بِالْقِيَاسِ ، وَقَدْ ثَبَتَ عَن أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ:"إِذَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَى الرَّأْسِ وَالْعَيْنِ وَإِذَا جَاءَ عَن أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَخْتَارُ مِن قَوْلِهِمْ وَإِذَا جَاءَ عَنِ التَّابِعِينَ زَاحَمْنَاهُمْ. [2] "
وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ عَلَى تَقْدِيرِ الْحَيْضِ وَغَيْرِهِ بِمَذْهَبِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ مُقَلِّدًا لَهُ ، فَمَا ظَنُّك بِأَبِي هُرَيْرَةَ مَعَ أَنَّهُ أَفْقَهُ مِن أَنَسٍ .
قَالَ: وَلَمْ يُنْقَلْ عَن أَحَدٍ مِن السَّلَفِ اشْتِرَاطُ الْفِقْهِ فِي الرَّاوِي ، فَثَبَتَ أَنَّهُ قَوْلٌ مُحْدَثٌ ط
وَكَذَا قَالَ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْحَنَفِيَّةِ ، قَالَ: وَلِهَذَا قُلْنَا بِحَدِيثِ الْقَهْقَهَةِ ، وَأَوْجَبْنَا الْوُضُوءَ فِيهَا ، وَلَيْسَتْ بِحَدَثٍ فِي الْقِيَاسِ ، وَلِهَذَا لَمْ يُوجِبُوا الْوُضُوءَ عَلَى مَن قَهْقَهَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ ، وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ ؛ لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يَرِدْ إلَّا فِي صَلَاةٍ ذَاتِ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ .
قُلْت: وَالصَّوَابُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ مِن فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ ، وَقَدْ أَفْرَدَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ السُّبْكِيُّ جُزْءًا فِي فَتَاوِيهِ ، وَقَالَ شَارِحُ الْبَزْدَوِيِّ: بَل كَانَ فَقِيهًا ، وَلَمْ يَعْدَمْ شَيْئًا مِن آلَاتِ الِاجْتِهَادِ ، وَكَانَ يُفْتِي فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ ، وَمَا كَانَ يُفْتِي فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ إلَّا فَقِيهٌ مُجْتَهِدٌ ، وَقَدْ انْتَشَرَ عَنهُ مُعْظَمُ الشَّرِيعَةِ ، فَلَا وَجْهَ لِرَدِّ حَدِيثِهِ بِالْقِيَاسِ .اهـ .
وأما أَنْ يَكُونَ الْمُحَدِّثُ فَقِيهًا إذَا خَالَفَ قِيَاسَ الْأُصُولِ، فمثاله حديث أخرجه مالك برقم (1367) والبخارى برقم ( 2111 ) عَن مَالِكٍ عَن نَافِعٍ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلاَّ بَيْعَ الْخِيَارِ » وهذا السند من أصح الأحاديث . ولم يعمل المالكية ولا الحنفية ، لأنه على حد قولهم خالف الأصول [3]
(1) - مسند أحمد (10641) صحيح
(2) - الْمَدْخَلُ إِلَى السُّنَنِ الْكُبْرَى لِلْبَيْهَقِيِّ (22 ) وهو صحيح
(3) -وانظر شرحه مفصلا في طرح التثريب - (ج 6 / ص 394) { بَابُ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ } والموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 7056) فما بعد وفتاوى الشبكة الإسلامية - (ج 24 / ص 389) وأنوار البروق في أنواع الفروق - (ج 6 / ص 339) فما بعد وشرح الكوكب المنير - (ج 2 / ص 446) وحجة الله البالغة - (ج 2 / ص 112) والكفاية في علم الرواية - (ج 1 / ص 114)