وَأَيْضًا فَلَا نِزَاعَ أَنَّهُ كَانَ مِن الصَّحَابَةِ مَنْ يَجْهَرُ بِالْبَسْمَلَةِ كَابْنِ الزُّبَيْرِ وَنَحْوِهِ وَمِنهُمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ يَجْهَرُ بِهَا كَابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ وَتَكَلَّمَ الصَّحَابَةُ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يُبْطِلْ أَحَدٌ مِنهُمْ صَلَاةَ أَحَدٍ فِي ذَلِكَ . [1]
وَهَذَا مِمَّا لَمْ أَعْلَمِ فِيهِ نِزَاعًا وَإِنْ تَنَازَعُوا فِي وُجُوبِ قِرَاءَتِهَا فَتِلْكَ مَسْأَلَةٌ أُخْرَى . وَكَذَلِكَ الْقُنُوتُ فِي الْفَجْرِ إنَّمَا النِّزَاعُ بَيْنَهُمْ فِي اسْتِحْبَابِهِ أَوْ كَرَاهِيَتِهِ وَسُجُودِ السَّهْوِ لِتَرْكِهِ أَوْ فِعْلِهِ، وَإِلَّا فَعَامَّتُهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ مَنْ تَرَكَ الْقُنُوتَ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبِ وَكَذَلِكَ مَنْ فَعَلَهُ إذْ هُوَ تَطْوِيلٌ يَسِيرٌ لِلِاعْتِدَالِ وَدُعَاءِ اللَّهِ فِي هَذَا في هذا الموضع ، ولو فعل ذلك في غير الفجر لم تبطل صلاته باتفاق العلماء ، فيما أعلم .
وكذلك القنوتُ في الوتر هل هو في جميع الأحوال أو النصف الآخر من رمضان ؟ إنما هو في الاستحباب ، إذ لا نزاع أنه لا يجبُ القنوت ، ولا تبطل الصلاة به ، وكذلك كونه قبل الركوع أو بعده .
وكذلك التسليمة الثانية هل هي مشروعة في الصلاة الكاملة والناقصة أو في الكاملة فقط ، أم ليست مشروعة ، هو نزاع في الاستحباب ، لكن عن الإمام أحمد رواية أن التسليمة الثانية واجبة في الصلاة الكاملة ، إما وجوب الأركان أو وجوب ما يسقط بالسهو على نزاع في ذلك ، والرواية الأخرى الموافقة للجمهور أنها مستحبة في الصلاة الكاملة .
وكذلك تكبيرات العيد الزوائد ، إنما النزاع في المستحب منها ، وإلا فلا نزاع في أنه يجزئ ذلك كله ، وكذلك أنواع التشهدات كلها جائز ما أعلم في ذلك خلافًا ،إلا خلافًا شاذًّا ، وإنما النزاع في المستحب .
وكذلك أنواع الاستفتاح في الصلاة ، وأصلُ الاستفتاح إنما النزاع في استحبابه ، وفي أي الأنواع أفضل ، والخلاف في وجوبه خلاف قليل ،يذكر قولا في مذهب الإمام أحمد .
وإذا كان النزاع إنما هو في الاستحباب عُلِمَ الاجتماع على جواز ذلك وإجزائه ، ويكون ذلك بمنزلة القراآت في القرآن ، فإن جميعها جائز - وهو ما يسمَّى اختلاف التنوع - ، وإن كان من الناس من يختار بعض القراآت على بعض ، وبهذا يزول الفساد المتقدم ، فإنه
(1) - انظر صحيح ابن حبان - (ج 5 / ص 102) والبغوي في"شرح السنة"3/54