إذا عُلم أن ذلك جميعه جائز مجزئ في العبادة ، لم يكن النزاع في الاختيار ضارًّا، بل قد يكون النوعان سواء ، وإن رجَّح بعض الناس بعضها ، ولو كان أحدهما أفضل لم يجز أن يظلم من يختار المفضول ، ولا يذمُّ ، ولا يعابُ بإجماع المسلمين ، بل المجتهد المخطئ لا يجوز ذمُّه بإجماع المسلمين ، ولا يجوز التفرق بذلك بين الأمة ، ولا أن يعطى المستحبُّ فوق حقِّه ، فإنه قد يكون من أتى بغير ذلك المستحب من أمور أخرى واجبة ومستحبة أفضل بكثير ، ولا يجوز أن تجعل المستحباتُ بمنزلة الواجبات ، بحيث يمتنع الرجل من تركها ، ويرى أنه قد خرج من دينه ، وعصى الله ورسوله ،بل قد يكون ترك المستحبات لمعارض راجحٍ أفضلُ من فعلها ، بل الواجبات كذلك ،ومعلوم أن ائتلاف قلوب الأمة أعظمُ في الدين من بعض هذه المستحبات، فلو تركها المرءُ لائتلاف القلوب كان ذلك حسنًا ، وذلك أفضلُ إذا كان مصلحة ائتلاف القلوب دون مصلحة ذلك المستحب ، وقد أخرج مسلم عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهَا قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: « لَوْلاَ أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ - أَوْ قَالَ بِكُفْرٍ - لأَنْفَقْتُ كَنْزَ الْكَعْبَةِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَجَعَلْتُ بَابَهَا بِالأَرْضِ وَلأَدْخَلْتُ فِيهَا مِنَ الْحِجْرِ » [1] .
وقد احتجَّ بهذا الحديث البخاري وغيره على أن الإمام قد يترك بعض الأمور المختارة ، لأجل تأليف القلوب ودفعها لنفرتها ، فقد عنون له ب بَابُ مَنْ تَرَكَ بَعْضَ الِاخْتِيَارِ ، مَخَافَةَ أَنْ يَقْصُرَ فَهْمُ بَعْضِ النَّاسِ عَنْهُ ، فَيَقَعُوا فِي أَشَدَّ مِنْهُ""
قال النووي:"وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيل لِقَوَاعِد مِن الْأَحْكَام مِنْهَا: إِذَا تَعَارَضَتِ الْمَصَالِح أَوْ تَعَارَضَتْ مَصْلَحَة وَمَفْسَدَة وَتَعَذَّرَ الْجَمْع بَيْن فِعْل الْمَصْلَحَة وَتَرْك الْمَفْسَدَة بُدِئَ بِالْأَهَمِّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ أَنَّ نَقْضَ الْكَعْبَة وَرَدَّهَا إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ قَوَاعِد إِبْرَاهِيم - صلى الله عليه وسلم - مَصْلَحَة ، وَلَكِنْ تُعَارِضهُ مَفْسَدَة أَعْظَم مِنْهُ ، وَهِيَ خَوْف فِتْنَة بَعْض مَنْ أَسْلَمَ قَرِيبًا ، وَذَلِكَ لِمَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ مِنْ فَضْل الْكَعْبَة ، فَيَرَوْنَ تَغْيِيرهَا عَظِيمًا ، فَتَرَكَهَا - صلى الله عليه وسلم - ."
(1) - صحيح مسلم (3307 )