فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 421

وبهذا يتضح أن السنَّة وحيٌ: حالا أو مآلا، أي إنها وحيٌ: ابتداء، أو انتهاء (بالإقرار أو التصويب) .

وبذلك تصحُّ تلك الأوامر المطلقة والنصوص العامة التي وردت في الكتاب والسنة، من مثل قوله تعالى: { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (7) سورة الحشر ،

وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « كُلُّ أُمَّتِى يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ، إِلاَّ مَنْ أَبَى » . قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَأْبَى قَالَ « مَنْ أَطَاعَنِى دَخَلَ الْجَنَّةَ ، وَمَنْ عَصَانِى فَقَدْ أَبَى » [1] .

فهذه النصوص الدالة الدلالة القطعية على وجوب تصديق خبره صلى الله عليه وسلم وطاعة أوامره صلى الله عليه وسلم (وبعد وفاته) لا يحتمل أن يكون في أقواله وأخباره ما لم يقرَّه الله تعالى، وبالتالي: فجميع ما لم يصوَّب من أقواله صلى الله عليه وسلم فكلُّه وحيُّ من الله تعالى، وما صوب فقد بلغ صلى الله عليه وسلم ذلك التصويب، وبقي هذا التصويب دليلا من أدلة نبوته صلى الله عليه وسلم، لأن مدعي النبوة كذبا لن يحرص على الدلالة على أنه قد وقع في الخطأ ! والأهم في ذلك: أنه بهذا التبليغ للتصويب قد تمَّ البلاغ وحفظ الدين وعصمت السنة من أي سببٍ يدعو إلى التردد في الطاعة أو التصديق.

فعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، يَقُولُ:"فِيمَ الرَّمَلَانُ الْيَوْمَ وَالْكَشْفُ عَنِ المَنَاكِبِ وَقَدْ أَطَّأَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ ، وَنَفَى الْكُفْرَ وَأَهْلَهُ مَعَ ذَلِكَ لَا نَدَعُ شَيْئًا كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" [2]

وبذلك يتضح أنه لا فرق بين ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم بوحي ابتداء وما صدر عنه صلى الله عليه وسلم باجتهاد في وجوب التصديق لخبره والطاعة لأمره، فكما كان الموحَى به إليه ابتداء لا خلاف في وجوب ذلك فيه، فكذلك الاجتهاد منه صلى الله

(1) - صحيح البخارى (7280 )

(2) - سنن أبى داود ( 1889 ) صحيح

، وَحَاصِله أَنَّ عُمَر كَانَ قَدْ هَمَّ بِتَرْكِ الرَّمَل فِي الطَّوَاف لِأَنَّهُ عَرَفَ سَبَبه وَقَدْ اِنْقَضَى فَهَمَّ أَنْ يَتْرُكهُ لِفَقْدِ سَبَبه ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون لَهُ حِكْمَة مَا اِطَّلَعَ عَلَيْهَا فَرَأَى أَنَّ الِاتِّبَاع أَوْلَى"عون المعبود - (ج 4 / ص 279) "

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت