فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 421

عليه وسلم، لأنه موحَى به إليه انتهاء بالإقرار. فلا فرق بين سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، فكلُّها وحيٌ يوجبُ التصديق والطاعة، بدلالة عمومات النصوص السابقة في الكتاب والسنة، والتي لم تخصص سنَّة من سننه صلى الله عليه وسلم: لا سنَّة الوحي ابتداء ولا سنَّة الوحي انتهاء، ولا سنَّة الدين ولا سنَّة الدنيا، فالعمومات تشملُ جميع السنَّة، ولم تخرج منها شيئا. [1]

قال الشاطبي - رحمه الله - (كل ما أخبر به رسول الله صلي الله عليه وسلم من خبر فهو كما أخبر، وهو حق وصدق معتمد عليه فيما أخبر به وعنه، سواء انبني عليه في التكليف حكم أم لا، كما أنه إذا شرع حكما أو أقر أو نهي فهو كما قال عليه الصلاة والسلام، لا يفرق في ذلك بين ما أخبر به الملك عن الله، وبين ما نفث في روعه والقي في نفسه، أو رآه رؤية كشف واطلاع علي مغيب علي وجه خارق للعادة، أو كيف ما كان فذلك معتبر يحتج به، ويبنى عليه في الاعتقادات والأعمال جميعا، لأنه صلي الله عليه وسلم مؤيد بالعصمة، وما ينطق عن الهوى) [2]

هناك شبهة يتشبث بها بعض الذين تأثروا بعفن الحضارة الغربية ونتنها ، حيث يستدلون بقصة تدابير النخل ، على غير ما ذكرنا ليتهربوا من الالتزام بالسنَّة ، وبالتالي من أحكام الإسلام العلمية ، وهذا نص الحديث:

فعن رَافِعَ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ قَدِمَ نَبِىُّ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- الْمَدِينَةَ وَهُمْ يَأْبُرُونَ النَّخْلَ يَقُولُونَ يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ فَقَالَ « مَا تَصْنَعُونَ » . قَالُوا كُنَّا نَصْنَعُهُ قَالَ « لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا » . فَتَرَكُوهُ فَنَفَضَتْ أَوْ فَنَقَصَتْ - قَالَ - فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ « إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَىْءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَىْءٍ مِنْ رَأْىٍ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ » . [3]

قَالَ الْعُلَمَاء: قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مِنْ رَأْي ) أَيْ فِي أَمْر الدُّنْيَا وَمَعَايِشهَا لَا عَلَى التَّشْرِيع . فَأَمَّا مَا قَالَهُ بِاجْتِهَادِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَرَآهُ شَرْعًا يَجِبُ الْعَمَل بِهِ ، وَلَيْسَ إِبَارُ النَّخْل مِنْ هَذَا النَّوْع ، بَلْ مِنَ النَّوْع الْمَذْكُور قَبْله ، مَعَ أَنَّ لَفْظَةَ الرَّأْي إِنَّمَا

(1) - انظر: إضاءات بحثية في علوم السنة النبوية ص 23، 24.

(2) - الموافقات - (ج 4 / ص 464) دار ابن عفان

(3) - صحيح مسلم (6276 ) يأبر: يلقح = نفضت: أسقطت ثمرها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت