فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 421

أَتَى بِهَا عِكْرِمَة عَلَى الْمَعْنَى لِقَوْلِهِ فِي آخِرِ الْحَدِيث: قَالَ عِكْرِمَة: أَوْ نَحْو هَذَا ، فَلَمْ يُخْبِرْ بِلَفْظِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَقَّقًا . قَالَ الْعُلَمَاء: وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الْقَوْل خَبَرًا ، وَإِنَّمَا كَانَ ظَنًّا كَمَا بَيَّنَهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَات . قَالُوا: وَرَأْيه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُمُور الْمَعَايِش وَظَنّه كَغَيْرِهِ ، فَلَا يُمْتَنَعُ وُقُوع مِثْل هَذَا ، وَلَا نَقْص فِي ذَلِكَ ، وَسَبَبه تَعَلُّق هِمَمهمْ بِالْآخِرَةِ وَمَعَارِفهَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . [1]

قلت: فلا تعلق لهم بهذا الخبر بتاتًا ، ومن ثم لو قال أي قول في الطب أو الأمور الحياتية ، فلا يمكن أن تكون إلا وحيا ، طالما أن الله تعالى لم ينبهه عليها ، وهو صلى الله عليه لا يمكن أن يقول شيئا من عند نفسه ، وهو لم يكن على معرفة دراية تامة به ، معاذ الله تعالى ، فكل ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم وحيٌ بلا ريب ، ولكن هذا الوحي غير المتلو على درجات من حيث الصحة أو من حيث الاحتجاج ، ففيه الواجب وفيه السنَّة وفيه المباح وفيه المكروه وفيه الحرام .

قال الشيخ محمد صالح المنجد:

"هذا الخبر إن دل على شيء فإنما يدل على أن الأمور الدنيوية التي لا صلة لها بالتشريع تحليلًا أو تحريمًا أو صحة أو فسادًا ، بل هي من الأمور التجريبية ، لا تدخل تحت مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم كمبلّغ عن ربه ، بل هذا الحديث يدل على أن مثل هذه الأمور خاضعة للتجربة ، والرسول صلى الله عليه وسلم بهذا كان قدوة عملية لحثنا على أن الأمور الدنيوية البحتة التي لا علاقة لها بالتشريع ينبغي علينا أن نبذل الجهد في معرفة ما هو الأصلح من غيره ، وأن نبحث ونستكشف بإجراء التجارب وتحليل المشاهدات وغيرها سائر ما ينفعنا في مجالات التطوير والتحسين في أمور الزراعة والصناعة والبناء وغيرها وأنّ الأمر الذي سكتت فيه الشّريعة فلم تأت فيه بحكم معيّن فالعمل فيه مباح لنا بحسب الضوابط الشّرعية العامة كقاعدة لا ضرر ولا ضرار وهكذا ."

وشتان بين هذه الحادثة ومدلولاتها وبين أن يرد عن الرسول صلى الله عليه وسلم أن هذا حلال أو حرام ، أو أن هذا الأمر موجب للعقوبة أو غير موجب ، أو أن هذا البيع

(1) - شرح النووي على مسلم - (ج 8 / ص 85)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت