إجماع نحاة البلدين: البصرة والكوفة [1] . (( ما لم يخالف نصًا أو قياسًا، إذ لم يرد أنهم معصومون ككل الأمة وإنما هو منتزع من استقراء اللغة ) ) [2] .
وقال ابن جني (ت392هـ) في باب القول على إجماع أهل العربية متى يكون حجة: (( أعلم أن إجماع أهل البلدين إنما يكون حجة إذا أعطاك خصمك يده ألا يخالف المنصوص. والمقيس على المنصوص، فأما إن لم يعط يده بذلك فلا يكون إجماعهم حجة عليه. وذلك أنه لم يرد ممن يطاع أمره في قرآنٍ ولا سنةٍ أنهم لا يجتمعون على الخطأ، كما جاء النص عن رسول الله(- صلى الله عليه وسلم -) . من قوله: (( أُمتي لا تجتمع على ضلالة ) )وإنما هو علم منتزع من استقراء هذه اللغة. فكل من فرق له عن علةٍ صحيحة، وطريق نهجه كان خليل نفسه، وأبا عمرو فكره )) [3] .
قال الدكتور أحمد مكي الأنصاري عن الفرَّاء: ورأيته يعطي الإجماع بعض اهتمام ... [4] وأود أن أشير إلى أن هذا الدليل لم يستند إليه الأَخفش في دراسته إذ لم أجد النصوص الصرفية وإنما فقط النحوية التي فيها إجماع المصرين في كتاب معاني القرآن للأخفش.
ومن الأمثلة التي استند إليها الفرَّاء في إجماع أهل المصرين ما ورد في قوله عز وجل: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّه} [5] . نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، وذلك أنه كتب إلى أهل مكة: أن النبي (- صلى الله عليه وسلم -) يريد أن يغزوكم فاستعدوا لما أراد رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) افتتاح مكة، فأتى النبي (- صلى الله عليه وسلم -) بذلك الوحي، فقال له: ما دعاك إلى ما فعلت؟ قال: أحببت أن أتقرب إلى أهل مكة لمكان عيالي فيهم، ولم يكن عن عيالي ذابُّ هناك، فأنزل الله هذه الآية. الجماعة من أهل الكوفة والبصرة والحجاز على: كتب في قلوبهم [6] ، وقرأ بعضهم كتب [7] . فنلاحظ في هذا المثال أن الفرَّاء قد صرح بالإجماع حيث قال أن الكوفة والبصرة والحجاز على كتب بالفتح، وقد قرأ بعضهم بالضم كتب (مبني للمجهول) .
(1) الاقتراح في علم أصول النحو: 88.
(2) ارتقاء السيادة في علم أصول النحو: 55.
(3) الخصائص: 1/ 189 - 190.
(4) أبو زكريا الفرَّاء ومذهبه في النحو واللغة: 84 - 85.
(5) سورة المجادلة: الآية 22.
(6) معاني القرآن للفراء: 3/ 142.
(7) وهي قراءة أبي حيوة، والمفضل عن عاصم: (البحر المحيط: 8/ 239) .