الصفحة 87 من 332

المبحث الثاني: مصادر ثقافة الفراء في الدرس الصرفي

أولًا: الأخذ من الشيوخ

ابتدأ الفراء ثقافته بأخذ القراءات عن القراء، وسماع الحديث في حلقات مشايخ الحديث ومجالسهم على عادة من ينشأ في الكوفة بلد القراءة والحديث، وكان في مقدمة العلماء الذين تفقهوا في القرآن وقراءاته، وشارك في الاختلاف إلى حلقات الفقهاء ورواة الأشعار والأخبار والأيام. (( ولقد كان الفراء في بواكير حياته العلمية يطوف بأشياخ كثيرين، وكما يظهر من أشياخه العديدين، والكوفة إذ ذاك كانت تموج بالعلم والعلماء ولهذا كانت مرتعًا خصبًا لكل دارس جاد كالفراء، ينتقل من مكان إلى مكان، ويلتقى بشيخ إثر شيخ، فيأخذ من هذا ويدع ) ) [1] .

إلا إن الفراء وإن أفاد من ألوان الثقافات المتعددة إلا أنه كان أشبه ما يكون بالمتخصص في علوم العربية، بل في النحو واللغة بالذات، ولهذا اشتهر بالطابع النحوي في حين أنه كان يجمع ألوانًا من الثقافات، مثل الثقافة الفقهية، والثقافة الفلكية [2] . مثل قوله تعالى: {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [3] ثم قال في موضع آخر: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [4] ، فيقول القائل: كيف ذكر الثلاثين واتمها بالعشر والأربعون قد تكمل بعشرين وعشرين، أو خمسة وعشرين وخمسة عشر؟ قيل: كان ذلك - والله أعلم - أن الثلاثين كانت عدد شهر، فذكرت الثلاثون منفصلة لمكان الشهر وأنها ذو القعدة وأتممناها بعشر من ذي الحجة، كذلك قال المفسرون.

ولهذه القصة خصت العشر والثلاثون بالانفصال [5] .

ومن هذا النص نعرف أن الفراء كان كثير الاختلاف إلى حلقات الفقهاء، وكان له علم بالثقافات الفقهية والفلكية.

(1) أبو زكريا الفراء ومذهبه في النحو واللغة: 111.

(2) المصدر نفسه: 112.

(3) سورة البقرة: الآية 51.

(4) سورة الأعراف: الآية 142.

(5) معاني القرآن للفراء: 1/ 36.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت