رابعًا: استصحاب الحال:
إن هذا الدليل هو أحد الأدلة التي استند عليها الفرَّاء مفسرًا بها عددًا من توجيهاته الصرفية.
ومن أمثلة استصحاب الحال عند الفرَّاء ما ورد في قوله تعالى:
{فِي مَقَامٍ أَمِينٍ} [1] . قرأها الحسن والأعمش وعاصم: (مقام) ، وقرأها أهل المدينة (في مقام) بضم الميم [2] . والمقام بفتح الميم أجود في العربية؛ لأنه المكان، والمقام: الإقامة وكل صواب [3] .
والذي أفاده الفرَّاء في قوله هذا هو القرينة المصاحبة للآية الكريمة وهي المكان في حال فتح الميم ووقوع الحدث في حال ضمها فكل حكمٍ يستند إلى قرينة مصاحبة وليس هذا إلا من استصحاب الحال وإن لم يصرح به الفرَّاء.
وهو بهذا يتفق مع الأَخفش لأنه قد استشهد بنفس الموضع.
ومثل ذلك ما ورد في قوله تعالى: {لا يَلِتكُمْ} [4] . هي من لات يليت، والقراء مجمعون عليها، وقد قرأ بعضهم: لا يألتكم [5] ، ولست أشتهيها؛ لأنها بغير ألف كتبت في المصاحف، وليس هذا بموضع يجوز فيه سقوط الهمز؛ ألا ترى قوله: (يأتون) [6] ، و (يأمرون) [7] ، و (يأكلون) [8] لم تلق الألف في شيء منه لأنها ساكنة، وإنما تلقى الهمزة إذا سكن ما قبلها، فإذا سكنت هي تعني الهمزة ثبتت فلم تسقط،
(1) سورة الدخان: الآية 51.
(2) جاء في البحر المحيط: 8/ 40: (( وقرأ عبد الله بن عمر، وزيد بن علي، وأبو جعفر، وشيبة، والأعرج، والحسن، وقتادة، ونافع وابن عامر (( في مقام ) )بضم الميم. وأبو رجاء وعيسى ويحيى والأعمش وباقي السبعة بفتحها.
(3) معاني القرآن للفراء: 3/ 44.
(4) سورة الحجرات: الآية 14.
(5) قرأ الجمهور: (لا يلتكم) : من لات يليت، وهي لغة الحجاز (البحر المحيط: 8/ 117) ، وقرأ الحسن والأعرج وأبو عمرو (لا يألتكم) ، من ألت، وهي لغة غطفان وأسد (البحر المحيط: 8/ 117) .
(6) في مواضع من القرآن الكريم: سورة التوبة: آية 54، الإسراء آية 88، الكهف: آية 15.
(7) كما في آل عمران الآيات: 21، 104، 114 والنساء: الآية 37 والحديد: الآية 24.
(8) في مواضع من القرآن مثلًا: البقرة: آية 174، 275 والنساء: آية 10.