الصفحة 46 من 332

بصرة قريبة من المشارب والمراعي والمحتطب، فنزلها عتبة وبنى مسجدها من القصب [1] .

أما المربد وهو سوق في ظاهر البصرة فكان من الأماكن المهمة في حياة البصرة الثقافية، فقد اتخذه الشعراء - إضافة إلى كونه سوقًا تجارية - ملتقى لهم ينشدون فيه أشعارهم ويسمعون من النقاد آراءهم، وقد أفاد منه اللغويون والرواة كثيرًا وذلك للقيهم فيه الأعراب الوافدين من البادية، واستغله أصحاب المذاهب لمناظراتهم والدعوة لعقائدهم، إذ وجد في البصرة صراع فكري واضح بين أحزاب المسلمين وفرقهم المذهبية [2] .

ولم ينته القرن الأول حتى كانت البصرة مركزًا لطلاب العلم والدارسين من مختلف الآفاق وأصبحت مفخرة من مفاخر العرب والمسلمين ومركزًا ثقافيًا اتسعت شهرته وعمت الأقطار الإسلامية، وقد صحب هذا الإزدهار الثقافي ازدهار عمراني على يد أبي موسى الأشعري وزياد بن أبيه من بعده فبنيت المنازل الكبيرة والقصور الجميلة الفخمة والأسواق العامرة وأصبحت مدينة زاهرة بعماراتها وأسواقها وحماماتها وأشجارها يقصدها الناس للتجارة كما يقصدها الأدباء والشعراء للمفاخرة، وغصت مساجدها بطلاب العلم الديني والدنيوي على اختلاف فروعها [3] .

لقد كانت البصرة سباقة إلى وضع النحو وترسيخ أصوله واطراد قواعده، لأن البصرة هي التي قامت بعبء هذا العمل منذ نشأته، حتى أصبح خلقًا سويًا، ومر زمن طويل قبل أن تشارك الكوفة فيه، وهي إنما أخذته عن البصرة [4] ، يقول الدكتور مهدي المخزومي: (( لقد أخذته الكوفة تامًا ناضجًا، وأحدثت فيه تغييرا يتصل بالمنهج والتطبيق، وساعد البصرة على السبق في هذا الميدان، ما كانت تنعم به من استقرار سياسي، ومن نهضة علمية أينعت ثمرتها في البصرة قبل الكوفة بزمن طويل، بسبب انشغال أهل الكوفة بالميادين العسكرية والسياسية من جهة، وتلاقي

(1) ينظر: البصرة التحفة النبهانية في تاريخ الجزيرة العربية: 6و7.

(2) ينظر: تاريخ الطبري: 3/ 591.

(3) ينظر: معجم البلدان: 1/ 432 - 433.

(4) ينظر: الفهرست في أخبار العلماء لابن النديم: 71.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت